النووي
74
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ حِينَئِذٍ ، أَمْ يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ إِلَى مَنْ يُنَصَّبُ بَعْدَ عَزْلِهِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَلَفَ : لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرَانِ ، أَحَدُهُمَا : فِي حَقِيقَةِ الْمُفَارَقَةِ ، وَالْقَوْلِ فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَةِ . فَإِنْ فَارَقَ الْحَالِفُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مُخْتَارًا ، حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ . وَلَوْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ وَفَرَّ مِنْهُ ، فَقِيلَ قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ سَوَاءً تَمَكَّنَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ وَمَنْعِهِ أَوْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ أَمْ لَا ، بَلْ لَوْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِ الْحَالِفِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْغَرِيمِ . وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ : يَحْنَثُ إِنْ أَذِنَ لَهُ . وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مَنْعُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ ، لِأَنَّهُ بِالْمُقَامِ مُفَارِقٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ : وَلَوْ كَانَا يَتَمَاشَيَانِ ، فَمَشَى الْغَرِيمُ ، وَوَقَفَ الْحَالِفُ ، فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، لِأَنَّ الْفَارِقَةَ حَصَلَتْ بِحَرَكَةِ الْغَرِيمِ ، لَا بِسُكُونِ الْحَالِفِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَضَى أَحَدُهُمَا فِي مَشْيِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ ، حَنِثَ الْحَالِفُ ، لِأَنَّهُ إِنْ وَقَفَ الْغَرِيمُ ، فَقَدْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ بِمَشْيِهِ ، وَإِنْ وَقَفَ الْحَالِفُ فَقَدْ فَارَقَهُ بِالْوُقُوفِ لِأَنَّ الْحَادِثَ هُوَ الْوُقُوفُ ، فَنَسَبَ الْمُفَارَقَةَ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا سَاكِنَيْنِ ، فَابْتَدَأَ الْغَرِيمُ بِالْمَشْيِ ، لِأَنَّ الْحَادِثَ هُنَاكَ الْمَشْيُ ، وَحَيْثُ قُلْنَا : لَا حِنْثَ بِمُفَارَقَةِ الْغَرِيمِ . فَلَوْ فَارَقَ الْحَالِفُ مَكَانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ . أَمَّا إِذَا قَالَ : لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مِنْكَ حَقِّي أَوْ حَتَّى تُوَفِّيَنِي حَقِّي ، فَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى فِعْلِ الْغَرِيمِ . فَإِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ مُخْتَارًا ، حَنِثَ الْحَالِفُ ، سَوَاءً كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِهِ أَمْ دُونَ إِذْنِهِ . وَقِيلَ : إِنْ فَرَّ مِنْهُ ، فَفِي حِنْثِهِ الْقَوْلَانِ فِي