النووي
46
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
قُلْتُ : الْأَظْهَرُ : الثَّانِي ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ ، بِخِلَافِ الْكَتْبِ ، فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ حُصُولُ الْإِفْهَامِ وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي التَّفْوِيضِ : يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى زَوْجَتِهِ طَلَاقَ نَفْسِهَا ، فَإِذَا فَوَّضَ فَقَالَ : طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ ، فَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ ، أَمْ تَوْكِيلٌ بِهِ ؟ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : تَمْلِيكٌ وَهُوَ الْجَدِيدُ ، فَعَلَى هَذَا ، تَطْلِيقُهَا يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُهُ ، فَلَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ ثُمَّ طَلَّقَتْ ، لَمْ يَقَعْ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ : لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ مَتَى شَاءَتْ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ . وَلَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَكِ بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ إِنْ شِئْتِ فَطَلَّقَتْ ، وَقَعَ بَائِنًا ، وَهَذَا تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ . وَإِذَا لَمْ يَجْرِ عِوَضٌ ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ . قَالَ الْقَفَّالُ : وَلَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ : كَيْفَ يَكُونُ تَطْلِيقِي لِنَفْسِي ، ثُمَّ قَالَ : طُلِّقْتِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَدْرُ قَاطِعًا ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ تَخَلُّلُهُ . أَمَّا إِذَا قُلْنَا : التَّفْوِيضُ تَوْكِيلٌ ، فَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي سَائِرِ الْوِكَالَاتِ ، وَيَجِيءُ الْوَجْهُ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ : طَلِّقِي نَفْسَكِ . وَصِيغَةُ الْعَقْدِ ، كَقَوْلِهِ : وَكَّلْتُكِ فِي طَلَاقِ نَفْسِكِ . وَهَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ التَّطْلِيقِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ، فَتُطَلِّقُ مَتَى شَاءَتْ كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ . وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ : لَا ، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِيمَا لَوْ قَالَ : وَكَّلْتُكِ فِي طَلَاقِ نَفْسِكِ . أَمَّا إِذَا قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَكِ مَتَى شِئْتِ ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ قَطْعًا ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ