النووي
23
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
لَا تَنْجِيزًا وَلَا تَعْلِيقًا . فَلَوْ قَالَ مُرَاهِقٌ : إِذَا بَلَغْتُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَبَلَغَ ، أَوْ قَالَ مَجْنُونٌ : إِذَا أَفَقْتُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، أَوْ قَالَا : أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فَبَلَغَ وَأَفَاقَ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا طَلَاقَ . قُلْتُ : هَكَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي شَرْطِ الْمُطَلِّقِ عَلَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا ، وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ السَّكْرَانُ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَيْسَ مُكَلَّفًا كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَلَكِنَّ مُرَادَ أَهْلِ الْأُصُولِ ، أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ حَالَ السُّكَّرِ ، وَمُرَادُنَا هُنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الرُّكْنُ الثَّانِي : اللَّفْظُ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ : أَحَدُهَا فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَالثَّانِي ، فِي الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ مَقَامَهُ . وَالثَّالِثُ فِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إِلَى الزَّوْجَةِ وَأَحْكَامِ تَفْوِيضِهِ . أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَاللَّفْظُ : صَرِيحٌ وَهُوَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ عَلَى نِيَّةٍ ، وَكِنَايَةٌ وَهُوَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ ، أَمَّا الصَّرِيحُ ، فَلَفْظُ الطَّلَاقِ وَالسَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازَ نَقَلَ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ السَّرَاحَ وَالْفِرَاقَ كِنَايَتَانِ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ، فَقَوْلُهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ ، أَوْ يَا طَالِقُ أَوْ يَا مُطَلَّقَةُ ، صَرِيحٌ . وَقِيلَ : يَا مُطَلَّقَةُ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ كِنَايَةٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَأَمَّا الْمُشْتَقُّ مِنَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ أَوْ يَا مُطْلَقَةُ ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّطْلِيقُ مُتَقَارِبَيْنِ . وَفِي قَوْلِهِ : أَنْتِ طَلَاقٌ ، أَوِ الطَّلَاقُ ، أَوْ طَلْقَةٌ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ . وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ ، فَكِنَايَةٌ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ كُلُّ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفُ طَالِقٍ ، فَصَرِيحٌ ، كَقَوْلِهِ : نِصْفُكِ طَالِقٌ . وَنَقَلَ الْعَبَّادِيُّ خِلَافًا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَجِيءَ هَذَا الْخِلَافُ