النووي

349

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

قُلْتُ : بَلْ هُوَ بَعِيدٌ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ . فَصْلٌ فِي يَدِهِ مَالٌ ، جَاءَ رَجُلَانِ ادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ مُودِعُهُ ، فَجَوَابُهُ يُفْرَضُ بِصِيَغٍ . إِحْدَاهَا : أَنْ يُكَذِّبَهُمَا وَيَقُولَ : الْمَالُ لِي ، فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ . [ الصِّيغَةُ ] الثَّانِيَةُ : أَنْ يُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ، فَيُعْطَاهُ ، وَهَلْ يَحْلِفُ لِلْآخَرِ ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِعَمْرٍو ، هَلْ يُغَرَّمُ لِعَمْرٍو ؟ إِنْ قُلْنَا : لَا ، فَلَا ، وَإِنْ قُلْنَا : نَعَمْ ، عُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ . فَإِنْ حَلَفَ ، سَقَطَتْ دَعْوَى الْآخَرِ . وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ . ثُمَّ هَلْ يُوقَفُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا ، أَمْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمَا ، أَمْ يُغَرَّمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِيمَةَ لَهُ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : الْمَذْهَبُ هُوَ الثَّالِثُ . [ الصِّيغَةُ ] الثَّالِثَةُ : قَالَ : هُوَ لَكُمَا ، فَهُوَ كَمَالٌ فِي يَدِ شَخْصَيْنِ يَتَدَاعَيَانِهِ . فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، قُضِيَ لَهُ ، وَلَا خُصُومَةَ لِلْآخَرِ مَعَ الْمُودَعِ ؛ لِنُكُولِهِ . وَإِنْ نَكَلَا أَوْ حَلَفَا ، جُعِلَ بَيْنَهُمَا ، وَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّ لَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ . [ الصِّيغَةُ ] الرَّابِعَةُ : قَالَ : هُوَ لِأَحَدِكُمَا وَقَدْ نَسِيتُ عَيْنَهُ ، فَإِنْ ضَمِنَا الْمُودَعَ بِالنِّسْيَانِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ ، وَإِلَّا ، نُظِرَ ، إِنْ صَدَّقَاهُ ، فَلَا خُصُومَةَ لَهُمَا مَعَهُ ، وَإِنَّمَا الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا . فَإِنِ اصْطَلَحَا فِي شَيْءٍ ، فَذَاكَ ، وَإِلَّا ، فَيُجْعَلُ الْمَالُ كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا يَتَدَاعَيَانِهِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقِيلَ : هُوَ كَمَالٌ فِي يَدِ ثَالِثٍ يَتَدَاعَيَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ . فَعَلَى الْأَوَّلِ ، لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً [ أَوْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا . وَإِنْ