النووي
334
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ ثِيَابُ الصُّوفِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الدُّودُ ، يَجِبُ عَلَى الْمُودَعِ نَشْرُهَا وَتَعْرِيضُهَا لِلرِّيحِ . بَلْ يَلْزَمُهُ لُبْسُهَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِأَنْ تُلْبَسُ وَتَعْبَقُ بِهَا رَائِحَةُ الْآدَمِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفَسَدَتْ ، ضَمِنَ ، سَوَاءٌ أَمَرَهُ الْمَالِكُ أَوْ سَكَتَ . فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ ، فَامْتَنَعَ حَتَّى فَسَدَتْ ، كُرِهَ وَلَا يَضْمَنُ . وَأَشَارَ فِي التَّتِمَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِيءُ فِيهِ وَجْهُ الْإِصْطَخْرِيِّ . وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ ، فَفَتَحَ الْقُفْلَ لِيُخْرِجَهُ وَيَنْشُرَهُ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ : لَا يَضْمَنُ عَلَى الْأَصَحِّ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُودَعُ . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، بِأَنْ كَانَ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ كِيسٍ مَشْدُودٍ وَلَمْ يُعْلِمْهُ الْمَالِكُ ، فَلَا ضَمَانَ . السَّبَبُ السَّادِسُ : الِانْتِفَاعُ . فَالتَّعَدِّي بِاسْتِعْمَالِ الْوَدِيعَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا ، كَلُبْسِ الثَّوْبِ ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ ، خِيَانَةٌ مُضَمَّنَةٌ . فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ ، بِأَنْ لَبِسَ لِدَفْعِ الدُّودِ كَمَا سَبَقَ ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ حَيْثُ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا لِلسَّقْيِ وَكَانَتْ لَا تَنْقَادُ إِلَّا بِالرُّكُوبِ ، فَلَا ضَمَانَ . وَإِنِ انْقَادَتْ مِنْ غَيْرِ رُكُوبٍ فَرَكِبَ ، ضَمِنَ . وَلَوْ أَخَذَ الدَّرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا إِلَى حَاجَتِهِ ، أَوِ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ ، أَوْ أَخْرَجَ الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَعْمِلْ ، ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ خِيَانَةٌ . وَلَوْ نَوَى الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ ، لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَضَمَّنَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ . وَيَجْرِي الْخِلَافُ ، فِيمَا لَوْ نَوَى أَنْ لَا يَرُدَّ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ . وَقِيلَ : يَضْمَنُ هُنَا قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْسِكًا لِنَفْسِهِ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ . وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي صُنْدُوقٍ غَيْرِ مُقْفَلٍ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِيَأْخُذَ الثَّوْبَ وَيَلْبَسَهُ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ . وَلَوْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مُقْفَلًا وَالْكِيسُ مَخْتُومًا ، فَفَتَحَ الْقُفْلَ وَفَضَّ الْخَتْمَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَا فِيهِ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُ مَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْخَتْمَ الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ . وَأَصَحُّهُمَا : يَضْمَنُ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ الْحِرْزَ . وَعَلَى هَذَا ، فَفِي ضَمَانِ الْكِيسِ وَالصُّنْدُوقِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْخِيَانَةَ فِي الظَّرْفِ .