النووي
130
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
الْأَمْرُ الثَّالِثُ : إِذَا وَجَدْنَا الْمَرَضَ مَخُوفًا حَجَرْنَا عَلَيْهِ فِي التَّبَرُّعِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَلَمْ نُنْفِذْهُ . لَكِنَّهُ لَوْ فَعَلَ ، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَرَضَ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إِذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ ، وَحَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَخُوفٌ ، ثُمَّ انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَسَلِمَ . وَأَمَّا إِذَا رَأَيْنَا الْمَرَضَ غَيْرَ مَخُوفٍ ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُحَالُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَنَحْوِهِ ، فَالتَّبَرُّعُ نَافِذٌ ، وَالْمَوْتُ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَجْأَةِ . وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ ، كَإِسْهَالِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، تَبَيَّنَّا بِاتِّصَالِ الْمَوْتِ بِهِ كَوْنَهُ مَخُوفًا ، وَكَذَلِكَ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَعْرَقَ أَوْ لَا يَعْرَقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ . فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ كَوْنُ الْمَوْتِ مِنْهُ غَالِبًا ، بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ نَادِرًا بِدَلِيلِ الْبِرْسَامِ . وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : هَذَا الْمَرَضُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ ، لَكِنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ ، فَالْأَوَّلُ مَخُوفٌ أَيْضًا . وَهَذَا يُشْكِلُ بِالْحَمْلِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ . فَإِنْ قَالُوا : يُفْضِي إِلَى الْمَخُوفِ نَادِرًا ، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ . قُلْتُ : وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ ، ثُمَّ قَتَلَهُ إِنْسَانٌ ، أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ ، أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنَ الثُّلُثِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .