ابن أبي العز الحنفي
93
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
وَإِذَا كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إِلَّا بِبَيَانِهَا ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَهَا غَايَةَ الْبَيَانِ بِطُرُقٍ ثَلَاثَةٍ : السَّمْعِ ، وَالْبَصَرِ ، وَالْعَقْلِ ؛ أَمَّا السَّمْعُ : فَبِسَمْعِ آيَاتِهِ الْمَتْلُوَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا عَرَّفَنَا إِيَّاهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ كُلِّهَا ، الْوَحْدَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، غَايَةَ الْبَيَانِ ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمُعَطِّلَةِ بَعْضِ الصِّفَاتِ مِنْ دَعْوَى احْتِمَالَاتٍ توقع الْحَيْرَةِ ، تُنَافِي الْبَيَانَ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ وَرَسُولَهُ الْكَرِيمَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { حم ، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } , { الر , تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } [ سورة يُوسُفَ : 1 ، 2 ] , { الر , تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ } [ سورة الْحِجْرِ : 1 ، 2 ] , { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } [ سورة آلِ عِمْرَانَ : 138 ] , { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ، والتغابن : 12 ] , { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النَّحْلِ : 44 ] , وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً أَوْ مُقَرِّرَةً لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، لَمْ يُحْوِجْنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى رَأْيِ فُلَانٍ ، [ وَلَا إِلَى ذَوْقِ فُلَانٍ ] ووجدِه فِي أُصُولِ دِينِنَا . وَلِهَذَا نَجِدُ مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ والسنة مختلفين مضطرين , بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ سورة الْمَائِدَةِ : 3 ] , فَلَا يَحْتَاجُ فِي تَكْمِيلِهِ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من كلامه من قوله : لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا ، فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا آيَاتُهُ الْعِيَانِيَّةُ الْخَلْقِيَّةُ : فَالنَّظَرُ فِيهَا وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا يَدُلُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ السَّمْعِيَّةُ ، وَالْعَقْلُ يجمع بين هذه وهذه ، ويجزم بِصِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، فَتَتَّفِقُ شَهَادَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ . فَهُوَ سُبْحَانُهُ لِكَمَالِ عَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَحَكَمْتِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلْعُذْرِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ , لَمْ يَبْعَثْ نَبِيَّا إِلَّا وَمَعَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ ، قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [ سورة الحديد : 25 ] .