ابن أبي العز الحنفي

80

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

الْأَوَّلِينَ ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } [ سورة الشُّعَرَاءِ : 24 - 28 ] . وَقَدْ زَعَمَ طَائِفَةٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ سَأَلَ موسى مستفهما عن الماهية ، وأن المسؤول عَنْهُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُ مَاهِيَّةٌ عَجَزَ مُوسَى عَنِ الْجَوَابِ وَهَذَا غَلَطٌ , وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَجَحْدٍ ، كَمَا دَلَّ سَائِرُ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ جَاحِدًا لِلَّهِ نَافِيًا لَهُ ، لَمْ يَكُنْ مُثْبِتًا لَهُ طَالِبًا لِلْعِلْمِ بِمَاهِيَّتِهِ , فَلِهَذَا بَيَّنَ لَهُمْ مُوسَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ ، وَأَنَّ آيَاتِهِ وَدَلَائِلَ رُبُوبِيَّتِهِ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ بِمَا هُوَ ؟ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْرَفُ وَأَظْهَرُ وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُجْهَلَ ، بَلْ مَعْرِفَتُهُ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْفِطَرِ أَعْظَمَ مِنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ مَعْرُوفٍ , وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الطَّوَائِفِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْعَالَمَ لَهُ صَانِعَانِ مُتَمَاثِلَانِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ ، فَإِنَّ الثَّنَوِيَّةَ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَالْمَانَوِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِالْأَصْلَيْنِ : النُّورِ وَالظُّلْمَةِ ، وَأَنَّ الْعَالَمَ صَدَرَ عَنْهُمَا . مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النُّورَ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْمَحْمُودُ ، وَأَنَّ الظُّلْمَةَ شِرِّيرَةٌ مَذْمُومَةٌ ، وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي الظُّلْمَةِ ، هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ مُحْدَثَةٌ ؟ فَلَمْ يُثْبِتُوا رَبَّيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ . وَأَمَّا النَّصَارَى الْقَائِلُونَ بِالتَّثْلِيتِ ، فَإِنِّهَمْ لَمْ يُثْبِتُوا لِلْعَالَمِ ثَلَاثَةَ أَرْبَابٍ يَنْفَصِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، بَلْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أن صانع العالم واحد ، ويقولون : باسم الابن والأب وَرُوحِ الْقُدُسِ إِلَهٌ وَاحِدٌ . وَقَوْلُهُمْ فِي التَّثْلِيثِ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُمْ فِي الْحُلُولِ أَفْسَدُ مِنْهُ ، وَلِهَذَا كَانُوا مُضْطَرِبِينَ فِي فَهْمِهِ ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ ، لَا يَكَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ ، وَلَا يَكَادُ اثْنَانِ يَتَّفِقَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : هُوَ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ ، ثَلَاثَةٌ بِالْأُقْنُومِ ! وَالْأَقَانِيمُ يُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْخَوَاصِّ ، وَتَارَةً بِالصِّفَاتِ ، وَتَارَةً بِالْأَشْخَاصِ . وَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى فَسَادِ [ هَذِهِ ] الْأَقْوَالِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التام , وبالجملة فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِإِثْبَاتِ خَالِقَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ مَنْ يُثْبِتُ لِلْعَالَمِ صَانِعَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَالْفَلْسَفَةِ تَعِبُوا فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ وَتَقْرِيرِهِ , وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ تَقْرِيرِ هَذَا بِالْعَقْلِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يُتَلَقَّى مِنَ السَّمْعِ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلِ التَّمَانُعِ ، وَهُوَ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صانعان