ابن أبي العز الحنفي

78

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

أَوَّلَ وَاجِبٍ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ شِهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا النَّظَرُ ، وَلَا الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ ، وَلَا الشَّكُّ ، كَمَا هِيَ أَقْوَالٌ لِأَرْبَابِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ , بَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ الشَّهَادَتَانِ ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَجْدِيدِ ذلك عقب بُلُوغِهِ ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ أَوْ مَيَّزَ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُخَاطِبَهُ حِينَئِذٍ بِتَجْدِيدِ الشَّهَادَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَوُجُوبُهُ يَسْبِقُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ، لَكِنْ هُوَ أَدَّى هَذَا الْوَاجِبَ قَبْلَ ذَلِكَ . وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء : كمن صَلَّى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، أَوْ أَتَى [ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِمَا ، هَلْ يَصِيرُ مُسْلِمًا أَمْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ , " فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَآخِرُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الدُّنْيَا " ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " 1 ] . وَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ وَآخِرُ وَاجِبٍ . فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ الْأَمْرِ وَآخِرُهُ ، أَعْنِي : تَوْحِيدَ الإلهية ، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ 2 . وَالثَّانِي : تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَبَيَانُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . وَالثَّالِثُ : تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ ، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . أما الأول : فإن نفات الصِّفَاتِ أَدْخَلُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ [ فِي ] مُسَمَّى التَّوْحِيدِ ، كجهم بْنِ صَفْوَانَ 3 وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْوَاجِبِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ ، فَإِنَّ إِثْبَاتَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ لَهَا وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ ، وَإِنَّمَا الذِّهْنُ قَدْ يَفْرِضُ الْمُحَالَ وَيَتَخَيَّلُهُ وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ , وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ أَفْضَى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد ، وهو

--> 1 حديث حسن أو صحيح . رواه الحاكم وغيره ، وقد خرجته في " إرواء الغليل " " رقم 687 " . 2 قال عفيفي : انظر ص 140 ج 1 من " موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول " . 3 هو أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي الضال المبتدع .