ابن أبي العز الحنفي
70
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
وجوب الإيمان بما جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيمانا عاما مجملا على كل أحد : أَحَدُهُمَا : تَعْرِيفُ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ ، [ وَهِيَ شَرِيعَتُهُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ . وَالثَّانِي : تَعْرِيفُ السَّالِكِينَ مَا لَهُمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ ] مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ , فَأَعْرَفُ النَّاسِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَتْبَعُهُمْ لِلطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَالِ السَّالِكِينَ عِنْدَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ , وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ رُوحًا ، لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ ، وَنُورًا لتوقف الهداية عليه , فقال الله تَعَالَى : { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } . [ المؤمن : 15 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } [ سورة الشُّورَى : 52 ، 53 ] , وَلَا رُوحَ إِلَّا فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَلَا نُورَ إِلَّا فِي الِاسْتِضَاءَةِ بِهِ ، وسماه الشِّفَاءُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } [ سورة فُصِّلَتْ : 44 ] , فَهُوَ وَإِنْ كَانَ هُدًى ، وَشِفَاءً مُطْلَقًا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُنْتَفِعُ بِذَلِكَ هُمُ الْمُؤْمِنِينَ ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ، فَلَا هُدَى إِلَّا فِيمَا جَاءَ بِهِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إِيمَانًا عَامًّا مُجْمَلًا ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَى التَّفْصِيلِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي تَبْلِيغِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ، وَدَاخِلٌ فِي تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ ، وَعِلْمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ، وَحِفْظِ الذِّكْرِ ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْخَيْرِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالدُّعَاءِ إِلَى سَبِيلِ الرَّبِّ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا 1 أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ . وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ ؛ فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ قُدَرِهِمْ ، وَحَاجَتِهِمْ , وَمَعْرِفَتِهِمْ ، وَمَا أُمِرَ بِهِ أَعْيَانُهُمْ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ سَمَاعِ بَعْضِ الْعِلْمِ أَوْ عَنْ فَهْمِ دَقِيقِهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ , وَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النُّصُوصَ ، وَفَهِمَهَا مِنْ عِلْمِ التَّفْصِيلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ وَالْحَاكِمِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى من ليس كذلك .
--> 1 في الأصل : ما .