ابن أبي العز الحنفي
67
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَلَا نَقُولُ : لَا يَنْفَعُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْخَفِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ : فَإِنَّ الْخَفَاءَ وَالظُّهُورَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ ، فَرُبَّمَا ظَهَرَ لِبَعْضِ النَّاسِ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيَظْهَرُ لِلْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ فِي حَالٍ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ فِي حَالٍ أُخْرَى . وَأَيْضًا فَالْمُقَدِّمَاتُ وَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً فَقَدْ يُسَلِّمُهَا بَعْضُ النَّاسِ وَيُنَازِعُ فِيمَا هُوَ أجل مِنْهَا ، وَقَدْ تَفْرَحُ النَّفْسُ بِمَا عَلِمَتْهُ بالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ مَا لَا تَفْرَحُ بِمَا عَلِمَتْهُ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَوُجُوبِ وُجُودِهِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِطْرِيٌّ ، وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنَ الشُّبَهِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَى الطُّرُقِ النَّظَرِيَّةِ . وَقَدْ أَدْخَلَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - " الْقَدِيمَ " ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الله تعالى الْحُسْنَى ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ : هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَيُقَالُ : هَذَا قَدِيمٌ ، لِلْعَتِيقِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ ، لِلْجَدِيدِ . وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا الِاسْمَ إِلَّا فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِهِ ، لَا فِيمَا لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } ( 1 ) . وَالْعُرْجُونُ الْقَدِيمُ : الَّذِي يَبْقَى إِلَى حِينِ وُجُودِ الْعُرْجُونِ الثَّانِي ، فَإِذَا وُجِدَ الْحديثُ قِيلَ لِلْأَوَّلِ : قَدِيمٌ ، قَالَ تَعَالَى : { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } ( 2 ) ، أَيْ مُتَقَدِّمٌ فِي الزَّمَانِ . وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ } ( 3 ) ، فَالْأَقْدَمُ مُبَالَغَةٌ فِي الْقَدِيمِ ، وَمِنْهُ : الْقَوْلُ الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ تَعَالَى : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } ( 4 ) ؛ أَيْ يَتَقَدَّمُهُمْ ، وَيُسْتَعْمَلُ مِنْهُ الْفِعْلُ لَازِمًا وَمُتَعَدَّيًا ، كَمَا يُقَالُ : أَخذني مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ ، وَيُقَالُ : هَذَا قَدَمَ هَذَا وَهُوَ يَقْدُمُهُ . وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَدَمُ قَدَمًا ، لِأَنَّهَا تَقْدُمُ بَقِيَّةَ بَدَنِ الْإِنْسَانِ . وَأَمَّا إِدْخَالُ " الْقَدِيمِ " فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ
--> ( 1 ) سورة يس آية : 39 ( 2 ) سورة الْأَحْقَافِ آية : 11 . ( 3 ) سورة الشُّعَرَاءِ الآيتان : 75 - 76 . ( 4 ) سورة هُودٍ آية : 98 .