ابن أبي العز الحنفي

62

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَتَصْغِيرُهُمْ بِقَوْلِهِ : " قُبَيِّلَةٌ " عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ عَجْزُهُمْ وَضَعْفُهُمْ ، لَا كَمَالُ قُدْرَتِهِمْ وَقَوْلُ الْآخَرِ : لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ . . . لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِنَفْيِ الشَّرِّ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّهِمْ ، عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ عَجْزُهُمْ وَضَعْفُهُمْ أَيْضًا . وَلِهَذَا يَأْتِي الْإِثْبَاتُ لِلصِّفَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَصَّلًا ، وَالنَّفْيُ مُجْمَلًا ، عَكْسَ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالنَّفْيِ الْمُفَصَّلِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُجْمَلِ ، يَقُولُونَ : لَيْسَ بِجِسْمٍ ، وَلَا شَبَحٍ ، وَلَا جُثَّةٍ ، وَلَا صُورَةٍ ، وَلَا دَمٍ ، وَلَا لَحْمٍ ، وَلَا شَخْصٍ ، وَلَا جَوْهَرٍ ، وَلَا عَرَضٍ ، وَلَا لَوْنٍ ، وَلَا رَائِحَةٍ ، وَلَا طَعْمٍ ، وَلَا بِجثةٍ ، وَلَا بِذِي حَرَارَةٍ ، وَلَا بُرُودَةٍ ، وَلَا رُطُوبَةٍ ، وَلَا يُبُوسَةٍ ، وَلَا طُولٍ ، وَلَا عَرْضٍ ، وَلَا عُمْقٍ ، وَلَا اجْتِمَاعٍ ، وَلَا افْتِرَاقٍ ، وَلَا يَتَحَرَّكُ ، وَلَا يَسْكُنُ ، وَلَا يَتَبَعَّضُ ، وَلَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ وَأَجْزَاءٍ وَجَوَارِحٍ وَأَعْضَاءٍ ، وَلَيْسَ بِذِي جِهَاتٍ ، وَلَا بِذِي يَمِينٍ وَلَا شِمَالٍ وَأَمَامٍ وَخَلْفٍ وَفَوْقٍ وَتَحْتٍ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ مَكَانٌ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَمَاسَّةُ وَلَا الْعُزْلَةُ وَلَا الْحُلُولُ فِي الْأَمَاكِنِ ، وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِهِمْ ، وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُتَنَاهٍ ، وَلَا يُوصَفُ بِمِسَاحَةٍ ، وَلَا ذَهَابٍ فِي الْجِهَاتِ ، وَلَيْسَ بِمَحْدُودٍ ، وَلَا وَالِدٍ وَلَا مَوْلُودٍ ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْأَقْدَارُ ، وَلَا تَحْجُبُهُ الْأَسْتَارُ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ . وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ يَعْرِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ . وَهَذَا النَّفْيُ الْمُحددُ مَعَ كَوْنِهِ لَا مَدْحَ فِيهِ ، [ فِيهِ ] إِسَاءَةُ أَدَبٍ ، فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِلسُّلْطَانِ : أَنْتَ لَسْتَ بِزَبَّالٍ وَلَا كَسَّاحٍ وَلَا حَجَّامٍ وَلَا حَائِكٍ ! لَأَدَّبَكَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَادِحًا إِذَا أَجْمَلْتَ النَّفْيَ فَقُلْتَ : أَنْتَ لَسْتَ مِثْلَ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ ، أَنْتَ أَعْلَى مِنْهُمْ وَأَشْرَفُ وَأَجَلُّ ، فَإِذَا أَجْمَلْتَ فِي النَّفْيِ أَجْمَلْتَ فِي الْأَدَبِ .