ابن أبي العز الحنفي
47
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
{ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } ( 1 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ } ( 2 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } ( 3 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } ( 4 ) ، حَتَّى إِنَّ مِنْ أَخْفَى آيَاتِ الرُّسُلِ آيَاتُ هُودٍ ، حَتَّى قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : ( يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ، وَمَعَ هَذَا فَبَيِّنَتُهُ مِنْ أَوْضَحِ الْبَيِّنَاتِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِتَدَبُّرِهَا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } { مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي } { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ( 5 ) . فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ : أَنَّ رَجْلًا وَاحِدًا يُخَاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذَا الْخِطَابِ ، غَيْرَ جَزِعٍ وَلَا فَزِعٍ وَلَا خَوَّارٍ ، بَلْ هُوَ وَاثِقٌ بِمَا قَالَهُ ، جَازِمٌ بِهِ ، فَأَشْهَدَ اللَّهَ أَوَّلًا عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ دِينِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ، إِشْهَادَ وَاثِقٍ بِهِ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ أَنَّهُ وَلِيُّهُ وَنَاصِرُهُ وَغَيْرُ مُسَلِّطٍ لَهُمْ عَلَيْهِ . ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ إِشْهَادَ مُجَاهِرٍ لَهُمْ بِالْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِمْ وَآلِهَتِهِمُ الَّتِي يُوَالُونَ عَلَيْهَا وَيَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي نُصْرَتِهِمْ لَهَا ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِهَانَةِ لهمْ وَاحْتِقَارِهِمْ وَازْدِرَائِهِمْ وَلَوْ ( 6 ) يَجْتَمِعُونَ كُلُّهُمْ عَلَى كَيْدِهِ وَشِفَاءِ غَيْظِهِمْ مِنْهُ ، ثُمَّ يُعَاجِلُونَهُ وَلَا يُمْهِلُونَهُ ، لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه . ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُمْ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى وَرَبَّهُمُ الَّذِي نَوَاصِيهِمْ بِيَدِهِ هُوَ وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ الْقَائِمُ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ ، وَأَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، فَلَا يَخْذُلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِهِ ، وَلَا يُشْمِتُ بِهِ أَعْدَاءَهُ .
--> ( 1 ) سورة النَّحْلِ الآيتان : 43 - 44 . ( 2 ) سورة آلِ عِمْرَانَ آية : 183 . ( 3 ) سورة آلِ عِمْرَانَ آية : 184 . ( 4 ) سورة الشُّورَى آية : 17 . ( 5 ) سورة هُودٍ الآيات : 54 - 56 . ( 6 ) لعله : وأنهم لو .