ابن أبي العز الحنفي
45
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَأَيْضًا : فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ . . فَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ ، تَضَمَّنَ هَذَا الْإِخْبَارُ أَمْرَ الْعِبَادِ وَإِلْزَامَهُمْ بِأَدَاءِ مَا يَسْتَحِقُّه الرَّبُّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ الْقِيَامَ بِذَلِكَ هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ . وَأَيْضًا : فَلَفْظُ " الْحُكْمِ " و " الْقَضَاءِ " يُسْتَعْمَلُ فِي الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ ، وَيُقَالُ لِلْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ : قَضِيَّةٌ ، وَحُكْمٌ ، وَقَدْ حُكِمَ فِيهَا بِكَذَا . قَالَ تَعَالَى : { أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ } { وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } { أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ } { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ( 1 ) . فَجَعَلَ هَذَا الْإِخْبَارَ الْمُجَرَّدَ مِنْهُمْ حُكْمًا . وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ } { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ( 2 ) . لَكِنَّ هَذَا حُكْمٌ لَا إِلْزَامَ مَعَهُ . وَالْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مُتَضَمِّنٌ الْإِلْزَامَ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ شَهَادَةٍ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْعِلْمِ بِهَا ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بِهَا الْحُجَّةُ . بَلْ قَدْ تَضَمَّنَتِ الْبَيَانَ لِلْعِبَادِ وَدَلَالَتَهُمْ وَتَعْرِيفَهُمْ بِمَا شَهِدَ بِهِ ، كَمَا أَنَّ الشَّاهِدَ مِنَ الْعِبَادِ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا بَلْ كَتَمَهَا ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا أَحَدٌ ، وَلَمْ تَقُمْ بِهَا حُجَّةٌ . وَإِذَا كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إِلَّا بِبَيَانِهَا ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَهَا غَايَةَ الْبَيَانِ بِطُرُقٍ ثَلَاثَةٍ : السَّمْعِ ، وَالْبَصَرِ ، وَالْعَقْلِ . أَمَّا السَّمْعُ : فَبِسَمْعِ آيَاتِهِ الْمَتْلُوَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا عَرَّفَنَا إِيَّاهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ كُلِّهَا ، الْوَحْدَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، غَايَةَ الْبَيَانِ ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمُعَطِّلَةِ بَعْضِ الصِّفَاتِ مِنْ دَعْوَى احْتِمَالَاتٍ تُوقِعُ فِي الْحَيْرَةِ ، تُنَافِي الْبَيَانَ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ وَرَسُولَهُ الْكَرِيمَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
--> ( 1 ) سورة الصَّافَّاتِ الآيات : 151 - 154 . ( 2 ) سورة الْقَلَمِ الآيتان : 35 - 36 .