ابن أبي العز الحنفي
43
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَيُبَيِّنُهُ لَهُ . وَرَابِعُهَا : أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأْمُرَهُ بِهِ . فَشَهَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ : عِلْمَهُ بِذَلِكَ سُبْحَانَهُ ، وَتَكَلُّمَهُ بِهِ ، وَإِعْلَامَهُ ، وَإِخْبَارَهُ لِخَلْقِهِ بِهِ ، وَأَمْرَهُمْ وَإِلْزَامَهُمْ بِهِ . فَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَضَمُّنُهَا ضَرُورَةٌ ، وَإِلَّا كَانَ الشَّاهِدُ شَاهِدًا بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ . قَالَ تَعَالَى : { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ( 1 ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ » ، وَأَشَارَ إِلَى الشَّمْسِ . وَأَمَّا مَرْتَبَةُ التَّكَلُّمِ وَالْخَبَرِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } ( 2 ) . فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ شَهَادَةً ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يُؤَدُّوهَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ . وَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْإِعْلَامِ وَالْإِخْبَارِ فَنَوْعَانِ : إِعْلَامٌ بِالْقَوْلِ ، وَإِعْلَامٌ بِالْفِعْلِ . وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُعْلِمٍ لِغَيْرِهِ بِأَمْرٍ . تَارَةً يُعْلِمُهُ بِهِ بِقَوْلٍ ، وَتَارَةً بِفِعْل ، وَلِهَذَا كَانَ مَنْ جَعَلَ دَارَهُ مَسْجِدًا وَفَتَحَ بَابَهَا ، وَأَبْرَزَهَا بِطَرِيقِهَا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا - : مُعْلِمًا أَنَّهَا وَقْفٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ وُجِدَ مُتَقَرِّبًا إِلَى غَيْرِهِ بِأَنْوَاعِ الْمَسَارِّ ، يَكُونُ مُعْلِمًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّهُ يُحِبُّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِقَوْلِهِ ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ . وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَبَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ ، يَكُونُ بِقَوْلِهِ تَارَةً ، وَبِفِعْلِهِ أُخْرَى . فَالْقَوْلُ مَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ . وَأَمَّا بَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ بِفِعْلِهِ ، فَكَمَا قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ : شَهِدَ اللَّهُ بِتَدْبِيرِهِ الْعَجِيبِ وَأُمُورِهِ الْمُحْكَمَةِ عِنْدَ خَلْقِهِ - : أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّا هُوَ . وَقَالَ آخَرُ : وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ . . . تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِد
--> ( 1 ) سورة الزُّخْرُفِ آية : 86 . ( 2 ) سورة الزُّخْرُفِ آية : 19 .