ابن أبي العز الحنفي
32
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
قَبِيلَةً قَبِيلَةً . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ ، قَالَ : قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ « أَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ ، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ » . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : « لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ ، وَلَكِنْ كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ ذُكِرَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَنِيسَةٌ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَذُكِرَ لَهُ مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا ، فَقَالَ : « إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ : « إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ » . وَمِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ عِبَادَةُ الْكَوَاكِبِ ، وَاتِّخَاذُ الْأَصْنَامِ بِحَسَبِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلْكَوَاكِبِ مِنْ طِبَاعِهَا . وَشِرْكُ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ - فِيمَا يُقَالُ - مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَكَذَلِكَ الشِّرْكُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ ، وَاتِّخَاذُ الْأَصْنَامِ لَهُمْ . وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ ، وَلَكِنِ اتَّخَذُوا هَؤُلَاءِ شُفَعَاءَ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( 1 ) . { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }
--> ( 1 ) سورة الزُّمَرِ آية : 3 .