ابن أبي العز الحنفي

28

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ نُفَاةَ الصِّفَاتِ أَدْخَلُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ فِي مُسَمَّى التَّوْحِيدِ ، كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْوَاجِبِ ! وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ ، فَإِنَّ إِثْبَاتَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ لَهَا وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ ، وَإِنَّمَا الذِّهْنُ قَدْ يَفْرِضُ الْمُحَالَ وَيَتَخَيَّلُهُ ، وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ . وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ أَفْضَى بِقَوْمٍ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ ، وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ كُفْرِ النَّصَارَى ، فَإِنَّ النَّصَارَى خَصُّوهُ بِالْمَسِيحِ ، وَهَؤُلَاءِ عَمُّوا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا التَّوْحِيدِ : أَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ كَامِلُو الْإِيمَانِ ، عَارِفُونَ بِاللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ! وَمِنْ فُرُوعِهِ : أَنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا عَبَدُوا اللَّهَ لَا غَيْرَهُ ! وَمِنْ فُرُوعِهِ : أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ وَالزِّنَى وَالنِّكَاحِ ، الْكُلُّ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ ، لَا بَلْ هُوَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ . وَمِنْ فُرُوعِهِ : أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ضَيَّقُوا عَلَى النَّاسِ . تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ ، كَالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ مُتَكَافِئَانِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ ، وَهُوَ الْغَايَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ . وَهَذَا التَّوْحِيدُ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى نَقِيضِهِ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ ، بَلِ الْقُلُوبُ مَفْطُورَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ أَعْظَمَ مِنْ كَوْنِهَا مَفْطُورَةً عَلَى الْإِقْرَارِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ ، كَمَا قَالَتِ الرُّسُلُ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ : { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ( 1 ) .

--> ( 1 ) سورة إِبْرَاهِيمَ آية : 10 .