ابن أبي العز الحنفي

18

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَالثَّانِي : تَعْرِيفُ السَّالِكِينَ مَا لَهُمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ . فَأَعْرَفُ النَّاسِ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَتْبَعُهُمْ لِلطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَالِ السَّالِكِينَ عِنْدَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ . وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ رُوحًا ، لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ ، وَنُورًا لِتَوَقُّفِ الْهِدَايَةِ عَلَيْهِ . فَقَالَ الله تَعَالَى : { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ( 1 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } ( 2 ) ، وَلَا رُوحَ إِلَّا فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَلَا نُورَ إِلَّا فِي الِاسْتِضَاءَةِ بِهِ ، وَهُوَ الشِّفَاءُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } ( 3 ) ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ هُدًى ، وَشِفَاءً مُطْلَقًا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُنْتَفِعُ بِذَلِكَ هُمُ الْمُؤْمِنِينَ ( 4 ) ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ، فَلَا هُدَى إِلَّا فِيمَا جَاءَ بِهِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إِيمَانًا عَامًّا مُجْمَلًا ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَى التَّفْصِيلِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي تَبْلِيغِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ، وَدَاخِلٌ فِي تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ ، وَعِلْمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ، وَحِفْظِ الذِّكْرِ ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْخَيْرِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وإِلَى سَبِيلِ الرَّبِّ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ .

--> ( 1 ) سورة غَافِر : الآية : 15 . ( 2 ) سورة الشُّورَى الآيتان : 52 - 53 . ( 3 ) سورة فُصِّلَت الآية : 44 . ( 4 ) في المطبوعة « المؤمنون »