النووي
8
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ الرُّكْنَ الْمَأْتِيَّ بِهِ فِي غَيْبَتِهِمْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا ، لِأَنَّ كُلًّا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ، فَسُومِحَ بِنَقْصِ الْعَدَدِ فِيهَا . وَالْخَطِيبُ لَا يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ ، إِنَّمَا الْغَرَضُ : اسْتِمَاعُ النَّاسِ ، فَمَا جَرَى وَلَا مُسْتَمِعَ فَاتَ فِيهِ الْغَرَضُ ، فَلَمْ يُحْتَمَلْ . ثُمَّ إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ ، بَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ ، وَبَعْدَ طُولِهِ ، قَوْلَانِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الْخُطْبَةِ وَاجِبَةٌ ، أَمْ لَا ؟ وَالْأَظْهَرُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ . وَالثَّانِي : غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَبْنِي . وَبَنَى جَمَاعَةٌ الْقَوْلَيْنِ ، عَلَى أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ ، أَمْ لَا ، فَلَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ . وَلَوْ لَمْ يَعُدِ الْأَوَّلُونَ ، وَاجْتَمَعَ بَدَلَهُمْ أَرْبَعُونَ ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْخُطْبَةِ ; طَالَ الْفَصْلُ أَمْ قَصُرَ . أَمَّا إِذَا انْفَضُّوا بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ ، فَإِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ ، صَلَّى الْجُمُعَةَ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ . وَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِهِ ، فَفِي اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ قَوْلَانِ . الْأَظْهَرُ : الِاشْتِرَاطُ . فَلَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ . وَعَلَى الثَّانِي : يُصَلِّي بِهَا . ثُمَّ نَقَلَ الْمَازِنِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : أَحْبَبْتُ أَنْ تَبْتَدِئَ الْخُطْبَةُ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ . وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَالْقَفَّالُ ، وَالْأَكْثَرُونَ : يَجِبُ أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ ، وَيُصَلِّيَ بِهِمُ الْجُمُعَةَ لِتَمَكُّنِهِ . قَالُوا : وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ : أَوْجَبْتُ ، وَلَكِنَّهُ صُحِّفَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِأَحْبَبْتُ : أَوْجَبْتُ . قَالُوا : وَقَوْلُهُ : صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لَا يَجِبُ إِعَادَةُ الْخُطْبَةِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ لِلْقُدْرَةِ . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي « الْإِفْصَاحِ » : لَا تَجِبُ إِعَادَةُ الْخُطْبَةِ ، وَلَا الْجُمُعَةُ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبَّانِ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ . وَدَلِيلُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي تَرْكِ الْخُطْبَةِ ، خَوْفُ الِانْفِضَاضِ ثَانِيًا ، فَسَقَطَتْ بِهَذَا الْعُذْرِ ، وَحَصَلَ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ ، كَمَا اخْتَصَرَهُ الْغَزَّالِيُّ ، فَقَالَ : إِنْ شَرَطْنَا الْمُوَالَاةَ ، وَلَمْ تُعَدِ الْخُطْبَةُ ، أَتَمَّ الْمُنْفَضُّونَ . وَهَلْ يَأْثَمُ الْخَطِيبُ ؟ قَوْلَانِ .