النووي

38

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بِطَبَرِسْتَانَ ، فَإِنَّهَا بَيْنَ أَشْجَارٍ وَغِيَاضٍ تَمْنَعُ بُلُوغَ الصَّوْتِ . أَمَّا إِذَا كَانَتْ قَرْيَةً عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ يَسْمَعُ أَهْلُهَا النِّدَاءَ لِعُلُوِّهَا ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَرْضِ لَمَا سَمِعُوا ، أَوْ كَانَتْ قَرْيَةً فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَسْمَعُ أَهْلُهَا النِّدَاءَ لِانْخِفَاضِهَا ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ عَلَى اسْتِوَاءٍ لَسَمِعُوا ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَتَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ ، اعْتِبَارًا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِوَاءِ . وَالثَّانِي : وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : عَكْسُهُ ، اعْتِبَارًا بِنَفْسِ السَّمَاعِ . أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْلُغِ النِّدَاءُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ إِذَا لَزِمُوا مَوْضِعًا ، وَلَمْ يُفَارِقُوهُ ، وَقُلْنَا : لَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ مَوْضِعَهُمْ ، فَهُمْ كَأَهْلِ الْقُرَى . وَإِذَا لَمْ يَبْلُغُوا أَرْبَعِينَ ، إِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ ، لَزِمَتْهُمُ الْجُمُعَةُ ، وَإِلَّا فَلَا . قُلْتُ : وَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ النَّاقِصُونَ عَنِ الْأَرْبَعِينَ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا حَضَرُوا جَازَ ، وَالْأَوْلَى حُضُورُ أَكْثَرِهِمَا جَمَاعَةً . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَرْعٌ الْعُذْرُ الْمُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ يُبِيحُهُ وَإِنْ طَرَأَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، إِلَّا السَّفَرُ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِنْشَاؤُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ . وَهَلْ يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ ؟ قَوْلَانِ . قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَحَرْمَلَةُ : يَجُوزُ . وَفِي الْجَدِيدِ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ . وَقِيلَ : يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا . هَذَا فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ . أَمَّا الطَّاعَةُ وَاجِبًا كَانَ كَالْحَجِّ ، أَوْ مَنْدُوبًا ، فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَأَمَّا قَبْلَهُ ، فَقَطَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا بِجَوَازِهِ . وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ ، أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ كَالْمُبَاحِ . وَحَيْثُ قُلْنَا : يَحْرُمُ ، فَلَهُ شَرْطَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنِ الرُّفْقَةِ ، وَلَا يَنَالُهُ ضَرَرٌ فِي تَخَلُّفِهِ لِلْجُمُعَةِ . فَإِنِ انْقَطَعَ ، وَفَاتَ سَفَرُهُ بِذَلِكَ ، أَوْ نَالَهُ ضَرَرٌ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الزَّوَالِ بِلَا خِلَافٍ .