النووي

38

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَالنَّصَارَى - وَلَا يَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - فَإِنْ أَلْحَقْنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْيَقِينِ ، وَاشْتَبَهَ إِنَاءٌ طَاهِرٌ بِإِنَاءٍ الْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةُ ، اجْتَهَدَ فِيهِمَا . وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَصْلَ ; فَهُمَا طَاهِرَانِ ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ النَّجَاسَةُ ، لَكِنْ لَهُ شَرْطٌ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ غَلَبَةُ الظَّنِّ مُسْتَنِدَةً إِلَى كَوْنِ الْغَالِبِ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةَ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ ، حَتَّى لَوْ رَأَى ظَبْيَهُ تَبُولُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُ ، فَجَاءَهُ ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا ، وَشَكَّ ; هَلْ تَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ ، أَمْ بِغَيْرِهِ ؟ ، فَهُوَ نَجِسٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَالْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - . قُلْتُ : الْجُمْهُورُ حَكَمُوا بِالنَّجَاسَةِ مُطْلَقًا ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : إِنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ ، فَهُوَ النَّجِسُ . وَإِنْ لَمْ يَعْهَدْهُ أَصْلًا ، أَوْ طَالَ عَهْدُهُ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ، لِاحْتِمَالِ التَّغَيُّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ اخْتَصَرَ هَذَا الْبَابَ جِدًّا ، وَتَرْكَ أَكْثَرَ مَسَائِلِهِ . وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أُشِيرُ إِلَى مُعْظَمِ مَا تَرَكَهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْمُشْتَبَهَيْنِ مِنَ الطَّعَامَيْنِ ، وَالدُّهْنَيْنِ ، وَنَحْوِهِمَا ، فِي الْجِنْسِ ، وَالْجِنْسَيْنِ ، كَلَبَنٍ وَخَلٍّ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا ، وَثَوْبٍ وَتُرَابٍ ، وَطَعَامٍ وَمَاءٍ ، وَلَنَا وَجْهٌ مُنْكَرٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ . حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَلَّطَهُ ، وَلَوِ اشْتَبَهَ لَبَنَانِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ مُتَيَقَّنُ الطَّهَارَةِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إِلَى شُرْبِهِ ، جَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا ، وَإِنِ اضْطُرَّ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَاءَيْنِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ . وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ بِعَيْنِهِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ، عَمِلَ بِهِ ، وَلَمْ يَجُزِ الِاجْتِهَادُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إِنَاءَانِ ، فَقَالَ عَدْلٌ : وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ ، وَقَالَ آخَرُ : فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا ، حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا ، لِاحْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ ، فَإِنْ عَيَّنَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ ، عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا عِنْدَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ . فَإِنِ اسْتَوَيَا ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْقِطُ خَبَرَهُمَا ، وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِمَا ، وَفِيهِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ ،