إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

6

الاعتصام ( تحقيق الهلالي )

الأهواء ، واستعملت الآراء ، وقامت سوق الفتنة ، وانتشرت أعلامها ، وظهرت الردة ، وانكشف قناعها ، وقدحت زناد الزندقة ، فأضرمت نيرانها ، وخلف محمد صلى الله عليه وسلم في أمته بأقبح الخلف ، وعظمت البلية ، واشتدت الرزية ، وظهر المبتدعون ، وتنطع المتنطعون ، وانتشرت البدع ، ومات الورع ، وهتكت سجف المشاينة ، وشهر سيف المحاشة ، بعد أن كان أمرهم هينا ، وحدهم لينا ، وذاك حتى كان أمر الأمة مجتمعا ، والقلوب متآلفة ، والأئمة عادلة ، والسلطان قاهرا ، والحق ظاهرا ، فانقلبت الأعيان ، وانعكس الزمان ، وانفرد كل قوم ببدعتهم ، وحزب الأحزاب ، وخولف الكتاب ، واتخذ أهل الإلحاد رؤوسا وأربابا ، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق ، وتهوك في العسرة العامة وأهل الأسواق ، ونعق إبليس بأوليائه نعقة فاستجابوا له من كل ناحية ، وأقبلوا نحوه مسرعين من كل قاصية ، فألبسوا شيعا ، وميزوا قطعا ، وشمتت بهم أهل الأديان السالفة والمذاهب المخالفة ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله ، وصدفهم عن الحق ، وميلهم إلى الباطل ، وإيثارهم أهواءهم ، ولله عز وجل عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسله ، فأشعلت نيران البدع في الدين ، وصاروا إلى سبيل المخالفين ، فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الأمم الماضين " ( 1 ) . " هذا تمام الحكاية ، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع " ( 2 ) .

--> ( 1 ) من مقدمة كتابه الجامع الماتع النافع " الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرقة المذمومة " ( 1 / 163 - 165 ) . ( 2 ) م كلام الإمام الشاطبي رحمه الله في هذا الكتاب ( ص 38 ) .