إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
23
الاعتصام ( تحقيق الهلالي )
وَجُمْلَةُ الْمَعْنَى فِيهِ مِنْ جِهَةِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ مَا ظَهَرَ بِالْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَآخِرِهِ : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَفِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ ، لَا تَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ رَسْمًا ، وَلَا تُقِيمُ بِهِ فِي مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ حُكْمًا ، بَلْ كَانَتْ تَنْتَحِلُ مَا وَجَدَتْ عَلَيْهِ آبَاءَهَا ، وَمَا اسْتَحْسَنَهُ أَسْلَافُهَا ، مِنَ الْآرَاءِ الْمُنْحَرِفَةِ ، وَالنِّحَلِ الْمُخْتَرَعَةِ ، وَالْمَذَاهِبِ الْمُبْتَدَعَةِ . فَحِينَ قَامَ فِيهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ، فَسُرْعَانَ مَا عَارَضُوا مَعْرُوفَهُ بِالنُّكْرِ ، وَغَيَّرُوا فِي وَجْهِ صَوَابِهِ بِالْإِفْكِ ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ إِذْ خَالَفَهُمْ فِي الشِّرْعَةِ وَنَابَذَهُمْ فِي النِّحْلَةِ كُلَّ مُحَالٍ ، وَرَمَوْهُ بِأَنْوَاعِ الْبُهْتَانِ ، فَتَارَةً يَرْمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ، الَّذِي لَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ قَطُّ خَبَرًا بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ ، وَآوِنَةً يَتَّهِمُونَهُ بِالسِّحْرِ وَفِي عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِمَّنْ يَدَّعِيهِ ، وَكَرَّةً يَقُولُونَ : إِنَّهُ مَجْنُونٌ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ بِكَمَالِ عَقْلِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ وَخَبَلِهِ .