إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
16
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
والأَحاديث الضَّعِيفَةُ الإِسناد لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا ، فَلَا يُمْكِنُ أَن يُسْنَدَ إِليها حُكْمٌ ، فَمَا ظَنُّكَ بالأَحاديث الْمَعْرُوفَةِ الْكَذِبِ ؟ نَعَمْ ؛ الْحَامِلُ عَلَى اعْتِمَادِهَا فِي الْغَالِبِ إِنما هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْهَوَى المتَّبع ، وَهَذَا كُلُّهُ ( 1 ) عَلَى فَرْضِ أَن لَا يُعَارِضَ الْحَدِيثَ أَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ ، وأَما إِذا كَانَ لَهُ مُعَارَضٌ فأَحْرَى أَن لا يُؤخذ به ؛ لأَن الأَخذ به ( 2 ) هَدْمٌ لأَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ ، والإِجماع عَلَى مَنْعِهِ إِذا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، أَو الغلط ( 3 ) ، أَو النِّسْيَانِ ، فَمَا الظَّنُّ بِهِ إِذا لَمْ يَصِحَّ ؟ عَلَى أَنه قَدْ رُوِيَ عَنْ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ أَنه قَالَ : الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ خَيْرٌ من القياس ( 4 ) . وظاهره يقتضي العمل
--> ( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " كله إنما هو " . ( 2 ) قوله : " لأن الأخذ به " سقط من ( خ ) ، ولذا علق رشيد رضا على قوله " هدم " ، فقال : كذا ! ! ولعل الأصل : " فهو هدم " ، أو : " لأنه هدم " . ( 3 ) في ( خ ) : " أو الغلط من بعض الرواة " . ( 4 ) أخرجه ابن حزم في " المحلى " ( 1 / 68 ) من طريق عبد الله بن أحمد ، عن أبيه أنه قال : " الحديث الضعيف أحب إلينا من الرأي " . وقال ابن الجوزي في " التحقيق " ( 1 / 143 ) : " ومن مذهب أحمد تقديم الحديث الضعيف على القياس " . وقد علق رشيد رضا رحمه الله بعد هذا الموضع بأسطر بتعليق أخذه عن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله ، فقال : " قال العلامة ابن القيم في " أعلام الموقعين " عند بيان ترجيح أحمد الحديث الضعيف والمرسل على القياس بشرطه ما نصه : وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به ؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن . ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، بل إلى صحيح وضعيف ، وللضعيف عنده مراتب اه - . وسبقه إلى مثله شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى ، فصرح بأن أول من قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف : الترمذي ، وأن الضعيف الذي يرجحه أحمد على الرأي هو الحسن عند الترمذي ومن اختار تقسيمه ، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وحديث إبراهيم الهجري . فما ضعفوه بعلة تقتضي الترك لا يأخذ به أحمد ولا يرجحه على القياس ، وما ضعفوه بعلة من علل الحديث لا تقتضي الترك يأخذ به ، ويرجحه على القياس إذا لم يكن ثَمَّ شيء يدفعه من حديث صحيح أو قول صحابي أو إجماع . وهذا الذي يقول به أحمد كان عليه عمل جمهور الفقهاء في عصره الذي تحرر فيه نقد الحديث ، أي : لم يكونوا يتركون العمل بكل =