إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

70

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ( 1 ) . وَقَالَ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * } ( 2 ) . وَهَذَا كُلُّهُ لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِي التَّشْرِيعِ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ . وَقَالَ : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ( 3 ) . وَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي التَّشْرِيعِ ، إِذْ حَقِيقَتُهُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ . وَقَالَ : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } ( 4 ) ، أَيْ : لَا يَهْدِيهِ دُونَ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَذَلِكَ بِالشَّرْعِ لَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْهُدَى ( 5 ) . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَأَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الشَّرْعِ وَالْهَوَى تَزَلْزَلَتْ قَاعِدَةُ حُكْمِ الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مَجَالٌ إِلَّا مِنْ تَحْتِ نَظَرِ الْهَوَى ، فَهُوَ إِذًا اتِّبَاعُ الْهَوَى بِعَيْنِهِ فِي تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ . وَدَعِ النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْمَحْضَةِ ، فَلَا كَلَامَ فِيهِ هُنَا ، وأن أَهْلُهُ قَدْ زَلُّوا أَيْضًا بِالِابْتِدَاعِ ، فَإِنَّمَا زَلُّوا مِنْ حَيْثُ وُرُودِ الْخِطَابِ ، وَمِنْ حَيْثُ التَّشْرِيعِ ، وَلِذَلِكَ عُذِرَ الْجَمِيعُ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ ، أَعْنِي فِي خَطَئِهِمْ فِي التَّشْرِيعَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ ، حَتَّى جَاءَتِ الرُّسُلُ فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ يَسْتَقِيمُ إِلَيْهَا { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } ( 6 ) ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ . فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ بَالِ النَّاظِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُصُولِيَّةً ، فهذه نكتتها ( 7 ) مستنبطة من كتاب الله ، ( وبالله التوفيق ) ( 8 ) ، انتهى .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 144 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 140 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 103 ) . ( 4 ) سورة الجاثية ، آية ( 23 ) . ( 5 ) في ( ر ) : " الهوى " . ( 6 ) سورة النساء ، آية ( 165 ) . ( 7 ) في ( ر ) : " نكتبها " . ( 8 ) ما بين المعكوفتين ساقط من جميع النسخ عدا ( غ ) .