إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

66

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

بدعة يراها حسنة ، فقد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ( 1 ) ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا ، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا " ( 2 ) . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ وَمَشَاقٌّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ عيَّن لِمَطَالِبِ الْعَبْدِ طُرُقًا خَاصَّةً ، عَلَى وُجُوهٍ خَاصَّةٍ ، وَقَصَرَ الْخَلْقَ عَلَيْهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَيْرَ فِيهَا ، وَأَنَّ الشَّرَّ فِي تعدِّيها ، إلى غيرها ( 3 ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . فَالْمُبْتَدِعُ رَادٌّ ( 4 ) لِهَذَا كُلِّهِ ، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ ثَمَّ طُرُقًا أُخَر ، لَيْسَ ( 5 ) مَا حَصَرَهُ الشَّارِعُ بِمَحْصُورٍ ، وَلَا مَا عَيَّنَهُ بمتعيِّن ، وأن ( 6 ) الشَّارِعَ يَعْلَمُ وَنَحْنُ أَيْضًا نَعْلَمُ ، بَلْ رُبَّمَا يَفْهَمُ مِنِ اسْتِدْرَاكِهِ الطُّرُقَ عَلَى الشَّارِعِ ، أَنَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الشَّارِعُ . وَهَذَا إِنْ كَانَ مَقْصُودًا لِلْمُبْتَدِعِ ، فَهُوَ كُفْرٌ بِالشَّرِيعَةِ وَالشَّارِعِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، فَهُوَ ضَلَالٌ مُبِينٌ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِذْ كَتَبَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَأَةَ ( 7 ) يَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ ( 8 ) ، فكتب إليه :

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 3 ) . ( 2 ) رواه عنه بسنده الإمام ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ( 6 / 85 ) . ( 3 ) المثبت من ( ر ) ، وفي بقية النسخ : " إلى غير ذلك " . ( 4 ) في ( م ) : " زائد " . ( 5 ) في ( غ ) و ( ر ) : " وليس " . ( 6 ) في ( ت ) : " لأن " ، وفي ( خ ) و ( ط ) : " كأن " . ( 7 ) هو عدي بن أرطاة الفزاري الدمشقي ، كان أمير البصرة لعمر بن عبد العزيز ، روى عن أبي أمامة وغيره ، وذكره ابن حبان في الثقات ، قتله معاوية بن يزيد بن المهلب سنة اثنتين ومائة . انظر : سير أعلام النبلاء ( 5 / 53 ) ، تقريب التهذيب ( 2 / 16 ) ، شذرات الذهب لابن العماد ( 1 / 124 ) . ( 8 ) تقدم ذكرهم والترجمة لهم في المقدمة ( ص 11 ) .