إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

63

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَلَا يَغْتَرَّنَّ ذُو الْحِجَى بِأَحْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُدَّعِينَ لِإِدْرَاكِ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ ، قَبْلَ النَّظَرِ فِي الشَّرْعِ ، فَإِنَّ دَعْوَاهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ لَمْ تَزَلْ وَارِدَةً عَلَى بَنِي آدَمَ مِنْ جِهَةِ ( 1 ) الرُّسُلِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَيْضًا لَمْ يَزَالُوا موجودين في العالم ، وهم أكثر ، كل ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنِ انْتَهَتْ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ( 2 ) ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَانَتْ إِذَا أَخَذَتْ فِي الدُّرُوسِ ( 3 ) بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ يبيِّن ( 4 ) لِلنَّاسِ مَا خُلقوا لِأَجْلِهِ ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ . فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَفْرُوضَةِ - مَا بَيْنَ زَمَانِ أَخْذِهَا فِي الِانْدِرَاسِ وَبَيْنَ إِنْزَالِ الشَّرِيعَةِ بعدها - بعض الأصول معلومة ( 5 ) ، فَأَتَى الْفَلَاسِفَةُ إِلَى تِلْكَ الْأُصُولِ فَتَلَقَّفُوهَا ، أَوْ تلقفوا منها ، ما أرادوا ( 6 ) أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْلِيًّا لَا شَرْعِيًّا ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا ، فَالْعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، وَإِنَّمَا ( 7 ) يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مُتَقَدِّمٍ مُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ فِي أَحْوَالِ الآخرة تصوّر ( 8 ) أَصْلٌ مُسَلَّمٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ ، وَلِهَذَا المعنى بسطٌ سيأتي إن شاء الله تعالى ( 9 ) . فَعَلَى الْجُمْلَةِ ، الْعُقُولُ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا دُونَ الْوَحْيِ . فَالِابْتِدَاعُ مُضَادٌّ لِهَذَا الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ( 10 ) مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ بِالْفَرْضِ ، فَلَا يَبْقَى إلا ما ادّعوه من العقل .

--> ( 1 ) ساقطة من ( ر ) . ( 2 ) ساقطة من أصل ( خ ) ، وأثبتت في هامشها . ( 3 ) درس الرسم إذا عفا ، ودرس الثوب إذا أخلق . الصحاح ( 3 / 927 - 928 ) . ( 4 ) في ( ت ) : " فيبين " . ( 5 ) في ( ط ) : " المعلومة " . ( 6 ) المثبت من ( ر ) ، وفي بقية النسخ : " فأرادوا " . ( 7 ) في ( ت ) : " فإنما " . ( 8 ) في ( م ) و ( خ ) : " تسلم " ، وفي ( ط ) : " قبلهم " ، وعبارة ( ت ) : " قبلهم تسلم أصل مسلم " . ( 9 ) وذلك في الباب العاشر حيث جعل المؤلف تحسين الظن بالعقل من أسباب الابتداع في الشريعة ، وبسط الكلام عليه هناك . ( 2 / 318 وما بعدها ) من المطبوع . ( 10 ) ساقطة من ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) .