إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
54
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا الْقَيْدِ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَدْخُلُ فِي الْعَادَاتِ ( 1 ) ، فَكُلُّ مَا اخْتُرِعَ مِنَ الطُّرُقِ فِي الدِّينِ مِمَّا يُضَاهِي الْمَشْرُوعَ ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعَبُّدُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ، كَالْمَغَارِمِ الْمُلْزَمَةِ ( 2 ) عَلَى الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا عَلَى نِسْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَقَدْرٍ مَخْصُوصٍ مِمَّا يُشْبِهُ فَرْضَ الزَّكَوَاتِ ( 3 ) ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ ( 4 ) ، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ الْمَنَاخِلِ ، وَغَسْلُ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ ( 5 ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ ( 6 ) قَبْلُ ، فَإِنَّهَا لا تسمى بدعاً على إحدى الطريقتين .
--> = حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ ، فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ ، فَإِنَّ مَا ابتُدِعَ ضَلَالَةٌ ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ ، قال : قلت لمعاذ : ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ ؟ قَالَ : بلى ، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه ، ولا يثنيك ذَلِكَ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ ، وَتَلَقَّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً ، ( 4 / 201 ) . ورواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه ، باب تغير الزمان وما يحدث فيه مع اختلاف يسير ( 1 / 78 ) ، وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظ مختصر قريب من لفظ المؤلف ( ص 32 ) ، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ( 2 / 111 ) ، وأخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد بلفظين متقاربين ( 1 / 88 ) ، وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى ( 1 / 308 ) ، وأخرجه الآجري في الشريعة بلفظين ( ص 47 ، 48 ) ، وأخرجه أبو نعيم في الحلية عند ترجمة معاذ رضي الله عنه ( 1 / 232 ) . ( 1 ) في ( غ ) : " العبادات " . ( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " الملتزمة " . ( 3 ) في ( ت ) : " الزكاة " . ( 4 ) يرى المؤلف جواز أخذ هذه المغارم من الناس عند الضرورة ، كخلو بيت المال ، مع ارتفاع حاجة الجند إلى ما يكفيهم ، فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال ، إلى أن يظهر مال بيت المال ، وذلك لسدّ الثغور ، وحماية الملك المتّسع الأقطار . وقد كانت بلاد الأندلس في زمن المؤلف في حالة خطيرة وحاجة شديدة ، لقرب العدوّ ، وضعف المسلمين ، وبعد ديار المسلمين عنهم . انظر ما قاله المؤلف في الباب الثامن ( 2 / 121 ) . وأمّا إن لم يكن هناك ضرورة ، فلا يرى هذا بدعة وإنما يراه معصية وظلماً ، ولكن إن فشا وصار معمولاً به كالزكاة المشروعة فيراه بدعة ، انظر قوله في الباب السابع ( 2 / 80 ) . ( 5 ) الأشنان والإشنان من الحمض ، الذي يغسل به الأيدي . لسان العرب ( 13 / 18 ) . ( 6 ) في ( م ) : " لم يكن " .