إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
47
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
فَالْبِدْعَةُ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ : " طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ " . وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُدْخِلُ الْعَادَاتِ فِي مَعْنَى ( 1 ) الْبِدْعَةِ ، وَإِنَّمَا يَخُصُّهَا بِالْعِبَادَاتِ ( 2 ) ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ فَيَقُولُ : " الْبِدْعَةُ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ ( 3 ) ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِّ ، فالطريقة والطريق والسبيل والسنن وَاحِدٍ ( 4 ) ، وَهُوَ مَا رُسِمَ لِلسُّلُوكِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِالدِّينِ ، لِأَنَّهَا فِيهِ تُخْتَرَعُ ، وَإِلَيْهِ يُضِيفُهَا ( 5 ) صَاحِبُهَا . وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخُصُوصِ لَمْ تُسَمَّ بِدْعَةً ، كَإِحْدَاثِ الصَّنَائِعِ وَالْبُلْدَانِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ . وَلَمَّا كَانَتِ الطَّرَائِقُ فِي الدِّينِ تَنْقَسِمُ - فَمِنْهَا : مَا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيهَا - خُصَّ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِّ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْمُخْتَرَعُ ، أي ابْتُدِعَتْ ( 6 ) عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّارِعِ ؛ إِذِ الْبِدْعَةُ إِنَّمَا خَاصَّتُهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ انْفَصَلَتْ عَنْ كُلِّ مَا ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ ، مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ ، كَعِلْمِ النَّحْوِ ، وَالتَّصْرِيفِ ، وَمُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأُصُولِ الدِّينِ ، وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الزمان الأول ، فأصولها موجودة
--> ( 1 ) ساقطة من أصل ( ت ) ، ومثبتة في هامشها . ( 2 ) أما دخول البدعة في العبادات فهو محل اتفاق ، وأما دخولها في العادات فمحل خلاف . والذي عليه المؤلف أن البدعة لا تدخل في الأمور العادية إلاّ بضوابط معينة ذكرها في الباب السابع ، حيث أفرد هذا الباب لهذا الموضوع ( 2 / 73 ) . ( 3 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " الشريعة " ، والصواب المثبت إلحاقاً بما قبلها في التعريف السابق . ( 4 ) في ( م ) و ( ت ) وأصل ( خ ) : " وهو واحد " ، وفي ( ط ) : " وهي بمعنى واحد " . ( 5 ) في ( ر ) : " يضفه " . ( 6 ) في ( ط ) وهامش ( خ ) و ( ت ) : " أي طريقة ابتدعت " .