إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

32

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

تَجِدُ عَالِمًا مَشْهُورًا ، أَوْ فَاضِلًا مَذْكُورًا ، إِلَّا وقد نبز ( 1 ) بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِهَا ، لِأَنَّ الْهَوَى قَدْ يُدَاخِلُ الْمُخَالِفَ ، بَلْ سَبَبُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ الْجَهْلُ بِهَا ، وَالْهَوَى الْمُتَّبَعُ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْخِلَافِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى صَاحِبِ السُّنَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ صَاحِبِهَا ، وَرُجِعَ ( 2 ) بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ ، وَالتَّقْبِيحِ لِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، حَتَّى يُنْسَبَ هَذِهِ الْمَنَاسِبَ . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَيِّدِ العُبَّاد بَعْدَ الصَّحَابَةِ أُويس الْقَرَنِيِّ ( 3 ) أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ ، والنهي عن المنكر لم يدع ( 4 ) لِلْمُؤْمِنِ صَدِيقًا ، نَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَيَشْتُمُونَ أَعْرَاضَنَا ، وَيَجِدُونَ على ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنَ الْفَاسِقِينَ ، حَتَّى وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَوْنِي بِالْعَظَائِمِ ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَنْ أَقُومَ فِيهِمْ بِحَقِّهِ " ( 5 ) . فَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ، لِأَنَّ الْمُؤَالِفَ فِيهِ - عَلَى وَصْفِهِ الْأَوَّلِ - قَلِيلٌ ، فَصَارَ الْمُخَالِفُ هُوَ الكثير ، فاندرست رسوم السنّة حين ( 6 ) مَدَّتِ الْبِدَعُ أَعْنَاقَهَا ، فَأُشْكِلَ مَرْمَاهَا ( 7 ) عَلَى الْجُمْهُورِ ، فظهر مصداق الحديث الصحيح . وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيَّ ( 8 ) مِنَ الْإِنْكَارِ ( 9 ) مَا وَقَعَ - مع ما هدى الله إليه وله

--> ( 1 ) في ( ط ) : " نبذ " . ( 2 ) في ( خ ) و ( ت ) : " روجع " . ( 3 ) هو أويس بن عامر القرني ، سيد التابعين ، وكان زاهداً عابداً . بشر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم به ، وأوصى به أصحابه ، سأله عمر أن يدعو له ، لورود الخبر في فضله ، واستجابة دعوته ، فاستغفر له ، ذهب إلى الكوفة ، فلما اشتهر أمره اختفى عن الناس . قيل : توفي في صفين ، وكان مع علي رضي الله عنه . انظر طبقات ابن سعد ( 6 / 161 ) حلية الأولياء لأبي نعيم ( 2 / 79 ) وصفة الصفوة لابن الجوزي ( 3 / 43 ) ، تقريب التهذيب ( 1 / 86 ) . ( 4 ) في ( خ ) " لم يتركا " وفي ( ط ) : " لم يدعا " ، والمثبت موافق لما ذكره ابن الجوزي . ( 5 ) رواه ابن سعد في الطبقات عن أُويس رحمه الله بلفظ أطول ( 6 / 165 ) ، وأشار إلى طرف منه أبو نعيم في الحلية ( 2 / 83 ) ، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة بلفظ أطول من هذا ( 3 / 54 ) ، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف ( 8 ) . ( 6 ) في ( خ ) و ( ط ) : " حتى " . ( 7 ) في ( م ) : " مراماها " . ( 8 ) ساقطة من ( ت ) ، واستدركت في هامشها . ( 9 ) في ( ر ) : " ولما وقع من الإنكار علي " .