إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
315
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
حسنة " و " من سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً " لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ مِنْ أَصْلٍ ، لِأَنَّ كَوْنَهَا حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، لِأَنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ مُخْتَصٌّ بِالشَّرْعِ ، لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ( 1 ) . وَإِنَّمَا يَقُولُ بِهِ الْمُبْتَدِعَةُ ، أَعْنِي التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ بِالْعَقْلِ ، فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ ( 2 ) السُّنَّةُ فِي الْحَدِيثِ إما حسنة بالشرع ( 3 ) ، وإما قبيحة بالشرع ، فلا تصدق ( 4 ) إِلَّا عَلَى مِثْلِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ ، وَتَبْقَى السُّنَّةُ السَّيِّئَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي ثَبَتَ بِالشَّرْعِ كَوْنُهَا مَعَاصِيَ ، كَالْقَتْلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ آدَمَ ، حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ " ( 5 ) ، وَعَلَى الْبِدَعِ ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهَا ، وَالنَّهْيُ عَنْهَا بِالشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا قوله : " ومن ( 6 ) ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً " ، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ كَالْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ التي لم يثبت ( 7 ) لَهَا أَسْبَابٌ . وَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً " أَيْ مَنِ اخْتَرَعَهَا ، وَشَمَلَ ( 8 ) مَا كَانَ مِنْهَا مُخْتَرَعًا ابْتِدَاءً مِنَ الْمَعَاصِي ، كَالْقَتْلِ مِنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ ، وَمَا كَانَ مُخْتَرَعًا بِحُكْمِ الْحَالِ ، إِذْ ( 9 ) كَانَتْ قَبْلُ مُهْمَلَةً مُتَنَاسَاةً فَأَثَارَهَا عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ . فَقَدْ عَادَ الْحَدِيثُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ لَهُ . وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً " ، وَأَنَّ تَقْيِيدَ
--> ( 1 ) تقدم التعليق على مسألة التحسين والتقبيح ( ص 213 ) . ( 2 ) في ( م ) : " يكون " . ( 3 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " في الشرع " . ( 4 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " يصدق " . ( 5 ) تقدم تخريج الحديث ( ص 230 ) . ( 6 ) في ( خ ) و ( ط ) : " من " بدون الواو . ( 7 ) في ( خ ) و ( ط ) : " تثبت " . ( 8 ) في ( غ ) : " ويشمل " . ( 9 ) في ( خ ) و ( ت ) : " إذا " .