إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

247

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ . وَكَوْنُ الشَّارِعِ يَسْتَحْسِنُهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا ، إِذْ لَوْ قَالَ الشَّارِعُ : الْمُحْدَثَةُ الْفُلَانِيَّةُ حَسَنَةٌ لَصَارَتْ مَشْرُوعَةً ، كَمَا أَشَارُوا إِلَيْهِ فِي الِاسْتِحْسَانِ حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ( 1 ) . وَلَمَّا ثَبَتَ ذَمُّهَا ثَبَتَ ذَمُّ صَاحِبِهَا ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا فَقَطْ ، بَلْ مِنْ حَيْثُ اتَّصَفَ بِهَا الْمُتَّصِفُ ، فَهُوَ إذًا المذموم على الحقيقة ، والذم خاصة التَّأْثِيمِ ، فَالْمُبْتَدِعُ مَذْمُومٌ آثِمٌ ، وَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ والعموم . ويدل على ذلك أوجه ( 2 ) : أحدها : أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنْ جَاءَتْ فِيهِمْ نَصًّا فَظَاهِرٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } ( 3 ) ، وَقَوْلِهِ : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } ( 4 ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي " ( 5 ) الْحَدِيثَ - إِلَى سَائِرِ مَا نُصَّ فِيهِ عَلَيْهِمْ ( 6 ) ، وَإِنْ كَانَتْ نَصًّا فِي الْبِدْعَةِ فَرَاجِعَةُ الْمَعْنَى إِلَى الْمُبْتَدِعِ ( مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ ) ( 7 ) ، وَإِذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى ذَمِّهِمْ رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى تَأْثِيمِهِمْ . وَالثَّانِي : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْهَوَى هُوَ الْمُتَّبَعُ الْأَوَّلُ فِي الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ السَّابِقُ فِي حَقِّهِمْ ، وَدَلِيلُ الشَّرْعِ كَالتَّبَعِ فِي حَقِّهِمْ . وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يَتَأَوَّلُونَ كُلَّ دَلِيلٍ خَالَفَ هَوَاهُمْ ، وَيَتَّبِعُونَ كُلَّ شُبْهَةٍ وَافَقَتْ أَغْرَاضَهُمْ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } ( 8 ) ؟ فَأَثْبَتَ لهم الزيغ أولاً ، وهو الميل

--> ( 1 ) تناول المؤلف موضوع الاستحسان ، وتعلق أهل البدع به ، والرد عليهم في الباب الثامن ( 2 / 136 ) . ( 2 ) في ( ط ) : " أربعة أوجه " . ( 3 ) سورة الأنعام : آية ( 159 ) . ( 4 ) سورة آل عمران : آية ( 105 ) . ( 5 ) تقدم تخريج الحديث ( ص 121 ) . ( 6 ) تقدم ذكر المؤلف للأدلة من القرآن والسنة في ذم البدع وأهلها في الباب الثاني . ( 7 ) ما بين المعكوفين ساقط من ( ت ) . ( 8 ) سورة آل عمران : آية ( 7 ) .