إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
241
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
يُخَلِّصُهُمْ ( 1 ) ، أَوْ أَنَّهُ ( 2 ) يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يُخَادِعُونَ أَنْفُسَهُمْ ، وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ عَلَى هُدًى مِنْ عَمَلِهِ ، وَلَا هُوَ سَالِكٌ عَلَى سَبِيلِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } إِلَى قَوْلِهِ : { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } ( 3 ) . وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى : { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونِ * } ( 4 ) . مَعْنَاهُ كَيْفَ أَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يُغْنِي شَيْئًا ، وَأَتْرُكُ إِفْرَادَ الرَّبِّ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ ؟ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقٍ الحق ( 5 ) إِلَى غَيْرِ طَرِيقٍ { إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * } ( 6 ) . وَالْأَمْثِلَةُ فِي تَقْرِيرِ ( 7 ) هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ ، جَمِيعُهَا يَشْهَدُ بِأَنَّ الضَّلَالَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ إِنَّمَا يستعمل في موضع ( 8 ) يَزِلُّ صَاحِبُهُ لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ لَهُ ، أَوْ تَقْلِيدِ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ الشُّبْهَةُ ، فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ الزَّلَلَ شَرْعًا وَدِينًا يَدِينُ بِهِ ، مَعَ وُجُودِ وَاضِحَةِ الطَّرِيقِ الْحَقِّ وَمَحْضِ الصَّوَابِ . وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْكُفْرُ فِي الْوَاقِعِ مُقْتَصِرًا ( 9 ) عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ ، بَلْ ثَمَّ طَرِيقٌ آخَرُ ، وَهُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْعِرْفَانِ عِنَادًا أَوْ ظُلْمًا ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصِّنْفَيْنِ فِي السُّورَةِ الْجَامِعَةِ ، وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * } { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .
--> ( 1 ) لعل الأصل : " ظنا منهم أن ذلك يخلصهم " ، وقد كتب في هامش ( ت ) : " ويزعمون أن ذلك يخلصكم أو أنه يغني عنكم شيئاً " ، وكأنها نسخة أخرى ، ولا أرى الكلام يستقيم بهذا . ( 2 ) في ( ت ) و ( خ ) : " أنهم " . ( 3 ) سورة النساء : آية ( 142 - 143 ) . ( 4 ) سورة يس : آية ( 23 ) . ( 5 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) و ( ر ) . ( 6 ) سورة يس : آية ( 24 ) . ( 7 ) في جميع النسخ : " تقرر " ، والمثبت ما في ( غ ) و ( ر ) . ( 8 ) في ( ط ) : " موضوع " . ( 9 ) في ( م ) و ( ت ) : " مقتصراً به " .