الثعالبي
88
لباب الآداب
وماؤها موبٍ ، بلدة وَسِخَةُ السماءِ ، وَهدة الهواءِ ، جوُّها غبارٌ ، وأرضها خَبارٌ ، وماؤها طين ، وترابُها سِرجِين ، أرضها نَزوز ، وتشرينُها تموز ، فكم في شمسِها من محترق ، وفي ظلِّها من غرِق ، بلدةٌ حيطانُها أجصاص ، وبيوتُها أقفاص . وَصْفُ الحصونِ والقلاع حِصْنٌ كأنِّهُ على مَرْقبِ النجم ، ومجير منِ القدر الحَتْم ، حِصنٌ يَحْسُرُ دونه الناظِرُ ، ويقْصُرُ عَنْه العقابُ الكاسِرُ ، حِصنٌ تمنطق بالجوزاءِ ، وناجَت بُروجُه بروجَ السماء ، قلعةٌ قد خلقت في الجوِّ كأنها سَحابةٌ ، وكأنَّ الغمامةَ لها عمامة ، وكأنها تناجي السماءَ بأسرارها ، قد جاوزتِ الجوزاءَ سَمتاً ، وأعزلت السِّماك الأعزل سُمْكاً . في القصور قصرٌ كأنَ شرفاتِه بين النَّسْر والعَيُّوق ، قصرٌ اكتستْ له الشِّعرى العَبور ، أثوابَ الغيور ، قصرٌ طال مبناهُ ، وطابَ مَغْناهُ ، كأنّهُ في الحَصانةِ جبلٌ مَنيعٌ ، وفي الحسنِ ربيعٌ مَريع ، قصر أقرَّت له القصور بالقصور عنه . في الدّورِ السَّريَّةِ دارٌ قوراءُ ، توسع العين قرةً ، والنفس مَسرَّةً ، كأنّ بانيها ، استلَف الجنّة فعجلَتْ له ، دار تخجل منها الدور ، وتتقاصر لها القصور ، الجسوم منها في حَضَرٍ ، والعيون على سفرٍ ، دار هي دائرة الميامن ، ودارة المحاسن ، دار دارَ بالسعد نجمُها ،