الثعالبي

76

لباب الآداب

الانبساطُ والاسترسال قد لاح عليَّ من مِيْسَم مودتِكَ ، ما ينقبض معه العذر في ترك مباسَطتك ، فضلك قد أنشطني من عِقَالِ الحشمةِ ، وبسَطَني من انقباض الوحْشهِ ، مولاي يعلم أني لا أنبسط الانبساطَ الذي ربما صافحَ الإفراط ، ولا أسترسل الاسترسال الذي يقارب الإهمال ، انبساطي إليك انبساط الواثق منك بأحسن الجواب المتوقع بأسرع الإيجاب . التَّلطُّف للاستماحَةِ والتماس الحاجة قد صار سؤالي وإيجابكَ لقاحاً ، نتجا سماحةً ونجاحاً ، أنا السَّحبُ على شيمتك ، وأتقلب على مِهاد كرمك ، وأنت ممن تشفع به الإخوان إلى الزمان ، من عرضت له أمداد البحار ، استغنى عن ثماد الأنهار ، لا أستمد النهر ، وأنا جار البحر ، ولا أحتاج إلى ضَوء النجمِ ، وأنا أسري في ضوءِ البدر ، من عَظُمَتِ النِّعمة لديه ، كثرت الرغبةُ إليه ، فاستجلب بالإنعام منك إنعام الله عليك ، إن رأيت أن تغرس لي من عنايتك غَرْساً ألوذُ بظله ، وأستمتع بثمرته ، مولاي لا يرى منِّي إكثار المسرفِ ، ولا إملال المُلحِف ، ما أعُدّ خزانة مولاي إلا معدنٌ ذُخر لي ، من كان كله لك ، كان كله عليك ، قد وَرَدْتُ بحرَك الغائض ، وفارقت احتشامي القابض ، إن رأيت أن تجعل لمن كُلّهُ لك جزءاً من زمانك ، ونصيباً من أوان نشاطِكَ . الأدعيةُ للمسؤول أبقاه الله لمجدٍ يتسم غاربه ، وكرم يملك مشارقه ومغاربه ، أبقاه الله شمساً للمحاسن لا يمحقها الكسوف ، ولا يرخي دونها السُّجوف ، لا زال يُحمّلُ أولياءَهُ من طَوْله ما يثقل الظهور ، ويُخلِق الدهور ، لا زال مُمَتّعاً بشرفِ سجاياه وشيمه ، مستمدًّا من أغراس نِعمه ، لا زال ظِلُّهُ مألوفاً ، ومعروفُه معروفاً ، واللَّهُ يديم أيامَه لإحسانٍ إلى قاصيته ، وإنعام يقود بناصيته ، جعل البركة غذاء مدته ، وفقأ نواظِرَ الأيامِ من عرصَته .