الثعالبي

72

لباب الآداب

جملةً ، وأخلَّ بسواء السبيلِ دُفعة ، لزمه عارٌ لا يحمي رسمه ، ولزمهُ شنانٌ لا يزول وَسْمُه ، فلان لسهام العائبين مُسْتَهدَفٌ ، ولعصا الفاسقين متلقَّفٌ ، فلان يخبىء العصا في الدّهليز الأقصى ، قد تقلّدَ عاراً لا يغسلُه الاعتذارُ ، ولا يمحوه الليل والنهارُ ، قد أصبح نقل كل لسانٍ وضحكة كل إنسانِ ، وحملت أمهاته سفاتج إلى البلدان ، صار بذلة الألسن ، ومثلة الأعين ، عرض عِرضه لسهام العائبين ، وألسنة القاذفين ، عِرضه منديل الأيدي ، وعِلك الألسنة . التِّيهُ والكِبْرُ قد أسكرته خَمْرَةُ الكِبْرِ ، واستهوته غُرّة التِّيهِ ، يتكبَّرُ على مستصغرين ، ويتعاظم على مستحقرين ، كأنّ كسرى حاملُ غاشيته ، وقارونَ وكيلُ نفقته ، وبلقيسَ إحدى داياته ، وكأنّ يوسفَ عليه السلام لا ينظر إلاّ بمقلَتِه ، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته ، كأنّ الشمس تطلعُ من جبينه ، والغَمام يندى من يمينه ، كأنّهُ امتطى السِّماكين ، وانتعل الفرقدين ، ومَلَك الخافقين ، واستعبَد الثَّقَلين ، وتناول النيِّرين بيدين . الحَسَدُ فلانٌ جَسدٌ كُلُهُ حَسَدٌ ، وعِقْدٌ كله حِقد ، الحاسِدُ يعمى عن محاسن الصبح ، بعينٍ تدرك دقائق القُبح ، الحَسود لا يَسود ، الحَسَد آفة الجسد ، فلانٌ معجون من طينة الحَسدِ والمنافسة ، مضروبٌ في قالبِ الضيق والمناقشة . دناءَةُ النَّفْسِ مع شَرَف الأبوّة فلانٌ من الطاووس رجلُهُ ، ومن الورد شوكُه ، ومن الماء زَبَدُهُ ، ومن الأسد نكهتهُ ، ومن السَّحابِ ظُلمته ، ومن النار دُخانها ، ومن الخَمر خمارُها ، ومن الدارِ مُستراحُها .