الثعالبي

65

لباب الآداب

ذكرَ المجدِ والشرَفِ مَجْدٌ يلحظ الجَوزاءَ من عالٍ ، ويطول النجوم كُلَّ مَطالٍ ، نَسَبُ المجد به عريق ، وروض الشَّرف به أنيق ، مَجْدٌ يشير إليهِ النجم الثاقب ، ويشرف بحفظ طرفيه المناقب ، فَلَكُ المجدِ عليه يَدور ، ويد العُلى إليهِ تُشيرُ ، مُتوَقّلٌ في جبال المجد مُتَرقٍّ في دَرجاتِ الفضل ، فلانٌ شهاب المجد ، ومنار الحمد ، مَحلُىُ سامقٌ ، ومجدهُ باسق ، وشرفُه مَجْدٌ طارق . الجُودُ وَالكَرَمُ فلانٌ رفيقُ الجودِ وخليلُه ، وزميلُ الكرم ونزيلُهُ ، وغُرَّة الدهر وتحجيلهُ ، ما هو إلاّ بحرٌ لا يظمأُ واردهُ ، ولا يمنع بارده ، غوثه موقوفٌ على اللهيفِ ، وعونه مبذولٌ للضعيفِ ، كأنه ضامنُ أرزاقِ العبادِ ، وكأنّه وَصَّى آدم على الأولادِ ، فلانٌ يوجب الصِّلات ، كوجوب الصلاةِ بابُهُ غير مُرْتَجٍ ، عن كل مرتجي ، ينابيع الجُودِ تتفجَّرُ من أنامِلِه ، وربيعُ السَّماحِ يضحك عن فواضِلهِ ، هو واحدٌ في الكرم ، وغُرّة في وجه العالم ، وتاريخ حسن الشِّيَم ، هو الكرم أُنشىء نفساً ، والفضل تمثل شخصاً ، لو أن البحر مددهُ ، والسحاب يَدهُ ، والجبال ذهبُهُ ، لقصَّرَتْ عما يهبه ، إن طلبت كريماً في وجوده متّ قبل وجوده ، أو ماجداً في أخلاقه ، فنيت ولم تلاقه ، صدرهُ بَحْر ، ووجهه بَدْرٌ ، ووعده نزْرٌ ، قد امتزج الكرم بطبعه ، وجرى منه مجرى دمِهِ . العِلْمُ والأدَبُ هو للعلم مجمع ، وللدين مَفْزَعٌ ، هو في العلماءِ عَلَمٌ ، وفي الكمالِ عالمٌ ، العلم حشو ثيابهِ ، والعقل ملء إهابهِ ، فلان مِلحُ الأرض ، ودرع المِلَّة ، ولسان الشريعة ، وحصن الأمّة ، هو عالَم في ثوب عالِم ، هو شخص الأدب ماثلاً ، ولسانُ العلم قائلاً ، هو قرارةُ الأدبِ والعلم ، ومجمع الدِّراية والفَهم ، شجرةُ فضلٍ ، عودُها أدبٌ ، وأغصانُها عِلم ، وثمرتُها عقلٌ ، وعروقها شرف ، تسقيها سماءُ الحرثة ، وتغذيها أرضُ المروءة .