الثعالبي

61

لباب الآداب

والتسليم ، لا تسخط لقدرِ الله وهو عدل ، ولا تكره لقضائه وهو فصلٌ ، فإنا للَه وإنّا إليه راجعون ، تسليماً لما أمضاهُ ، ورضىً بما قضاهُ ، قضاء الله ماضي ، وهو أعدلُ قاضي فإنا للَّهِ وإنا إليه راجعون ، رضىً بقضائهِ الذي لا يراجَعُ في إمضائه ، وقدرهِ الذي لا يُغالب في إجرائهِ . في حَمل قضاءِ الله على الأصلح لعباده مولاي يعلم أن الله عزّ وجلّ يحيي ما كانت الحياةُ أنفع ، ويميتُ إذا كان الممات أصلح ، إنَ الله يُبقي العباد ما دام البقاءُ أعمر لمكانِهم ، ويتوفَّاهم ما كانت الوفاة أصلح لأديانهم ، إنا لله وإنا إليه راجعون علماً بأنَّ مقادير الله تجري ، ولا جري إلاّ على موجباتِ الحكمةِ ، وتدبيره لا يخلو من باطن المصلحة أو ظاهر النَعمة ، معلومٌ أن الله تعالى يُبقي ما كان البقاءُ أنجح ، ويميت إذا كان الممات أصلح ، ولذلك قَبض الأنبياء والمرسَلين وأنزل على المصطفى : " إنّك ميِّت وإنهم ميتون " . الأمرُ بالصبرِ والنَّهيُ عن الجَزَعِ عليك عزيمة الصَّبر فإنها في الدين حَتْمٌ ، وفي الرأي حَزْمٌ ، وليس للحي انتفاعٌ ، ولا للميت ارتجاعٌ ، أنت أحق من احتسب فاكتسبَ أجراً جزيلاً ، وصبر صبراً جميلاً ، أنت تعلم أنَّ شوائبَ الدهر لا تُدفع إلاّ بعزائم الصبر ، اجعل بين هذهِ اللوعة الغالبةِ . والدمعةِ الساكبة حاجباً من فضلك ، وحاجزاً من عقلكَ ، ودافعاً من دينك ، ومانعاً من يقينِكَ ، إنّ المحنَ إذا لم تُعالج بالصبر ، كانت كالمنح إذا لم تعاجل بالشكر ، المرءُ لا بد سالٍ ، ولو بعد أحوالِ وأحوالٍ ، فما عليك أن تعجِّل ما تغتنمه البَرَرة ، وتقدِّم ما تؤخر الفَجَرة . التسليةُ ببقاءِ الباقي عن الماضي نَعِم الله في فلانٍ عظيمةٌ ، وقد جبر الكسر ، وأوجب الصَبر وأقيم الظهر ولزم الشكر ، فالحمد للَه الذي أولى كما ابتلى ، وأعطى بإزاء ما اقتضى لئن كانت المصيبة في فلان عظيمة لقد سيّدها الله من سيدي بأصلح خَلَف لأفضل سَلَف ، وأنجبِ فرع لأكرم أصلٍ ، في بقاء مولاي ما يجبرُ كل كسيرٍ ، ويهوِّن أمر كل عسيرٍ ، فيا لها من حادثة