الثعالبي

59

لباب الآداب

وكَسَفَت شمس الكرم المحضِ ، قد نُعي من غَرَبَ بموته ، نجم الفَضْل ، وكَسُدَتْ سوق المجدِ ، ووَقفَ فلك الكرم ، وانثلم حَدُّ السيفِ والقلم ، نعيَ فلانٌ ، فسكرَ وجهُ الدهرِ ، وقُبضتْ مُهجة الفخر ، ونطقت نوادبُ المجدِ ، وأقيمت مآتِمُ الفضل . ذِكْرُ البُكاءِ كتبتُ والأحشاءُ محترقةٌ ، والأجفانُ بمائها غَرِقة ، كتبتُ والدمْعُ واكف ، والحُزن عاكفٌ ، كتبتُ عن عَيْن تدمع ، وقلبٍ يخشع ، ونفسٍ تَهلَعُ ، قد مَدَّ الهم إلى جسمي يدَ السَّقم ، وجَرَّ الدمع على خلّي ذيول الدّمِ ، مُصابٌ أذاب الدموع الجامدة ، وألهبَ الهموم الخامدة ، بلْ ما يستقر بي مُضْطَجَع ، ولا يجفُّ لي مَدْمَعٌ . عِظَمُ المُصيبة وثقل وطأتها مُصيبةٌ أضعفت العزائم القوية ، وأبكت العيون البكية ، مُصيبَة سكبت الأجفان كراها ، والأْبدان قُواها ، مُصيبةٌ أَلمَّتْ فَأَلَمَتْ ، وثلمَتْ فكَلَمت ، المُصابُ عظيم ، والخَطْب جسيم ، والكبد حَرّى ، والعين عَبْرى ، والنفس حَيْرى ، الهم واردٌ ، والأنسُ شاردٌ ، والناس مأتمهم عليه واحدٌ . التَّأبينُ والنُّدْبَةُ ما أعظَمهُ مَفقوداً ، وأكرمهُ ملحوداً ، إني لأنوح عليه بنَوْحِ المناقب ، وأرثيه مَعَ النجوم الثواقب ، وأبكيه مع البكاء المعالي والمحاسنِ قَدْ رزئنا من فلانٍ عالماً في شخصٍ ، وأُمَّة في نَفْسٍ ، مضى والمعالي تبكيه ، والمحاسن تُعزى فيه ، ما أقبح العيش من بعده ، وما أنكد العمر مع بُعده ، عجبت للجبالِ كيف لم تنهدّ لفقده ، والأيام كيف لم تسود من بعدِه . وصْفُ الدَّهر هو الدهرُ فلا تعجب من طوارقه ، ولا تنكر هجوم بوائقه ، الدهر يُفجعُ