الثعالبي
50
لباب الآداب
تَجارَيا ، أبدلني كتابي من حُزون الشكايَةِ سهول المعافاةِ ، ومن شدّة التألم ، رَخاءَ التَنعُّمِ ، لا أريد الصحة إلا لخدمتك ، وشكر نعمتك ، ولا أنزعج من السقم ، إلا لما أعجز عنه من فرائض طاعتك . ألفاظُ المعاتباتِ قد رُميتُ بسِهام أغراضكَ ، ونصبني جفاؤُك أقرب أغراضك ، صرتُ عندك ممن محى النسيانُ صورته من صدرك ، واسمه من صحيفة حفظك ، نسيتني وما كان حقي أن أنسى ، وطويتني في صُحف إبراهيم وموسى ، قلبي والله طافح من سوءِ عشرتك ، وقلة إنصافِك وكثرة نَبوتِك ، أظنُّ الدهر قد فطن لصفائِك فكدَّره ، واهتدى لإخائك فأفسده ، طويتني طيَّ الرّداءِ ، وألقيتني إلقاء الحذاءَ ، قد هجرتني هجرةً مُرّةً ، وقطعتني قطيعةً فظيعةً ، أنت تتذكر إخوانَك مع أهلّة الأعوامِ ، وتظهر لأصدقائِك ظهورَ الإمامِ في كل عام ، أنزلت عليك في الصَّدّ آية أم رُفعَتْ لك في النّبو رايةٌ . فلان على قدرِ علوّ سِنّه انخفاض قدرِهِ ، وبحسب عبالة جسمه نحافة عهده ، قد تركني بدار اتضاع ، ومدرجةِ ضياعٍ ، لا غَرو إن بعتَ مَودَّتي بوكسٍ ، فقد بيع بعضُ أنبياءِ الله بثمن بَخْسٍ ، صَدعني صدود المحمودٍ عن الخمر ، وأعرض إعراض الغواني عن بياض الشَعر ، أراني كلما بَعدتُ صحبة ، رَجعتُ رُتبةً ، وكلما طالت خدمه ، قصرت حَشَمه ، حَزُ شوقي إليك لا يصبرُ إلا على برد جفائك ورِقّةِ قلبي لا تقاوم غِلظة إعراضك ، قد بعتَني بَيع الخَلَق ، وتركتني أسير القَلَق . العِتاب على قطع الكتاب لا يكاد خيالك يغبُّني نوماً ، فما لكتابك لا يسرُّني يوماً ، أنت سخيٌّ بمالِكَ على من يطالبك ، بخيل بكتابك على من يكاتبُك ، تتوسع في ألوفٍ ، وتتضايق في حروفٍ ، قد كاتبته فما أجابني ، وخطبت إليه مودَّتي فما زوّجني ، أظنكَ لو كتبت بأجنحة الملائكةِ