الثعالبي
48
لباب الآداب
برقاب القوافي ، وملك رِقَّ المعاني ، فضلُه برهانُ حَق ، وشعرهُ لسان صِدقٍ فلان يُغْرِبُ فيما يجلب ، ويبدع فيما يبضع ، شاعر شعارُهُ أشعارُهُ ، ودأبه آدابهُ ، هو يبتدئ فيبتَدعُ طبعُهُ يُملي عليه بما لا تمَل آذانُ الاستماع إليه ، لبيد عنده بيدٌ ، وعَبيد له من جُملة العبيد ، الفرزدق عنده أقل من فرزْدَقةِ خمير ، وجَريرٌ يُقاد إليه بجرير . وَصْفُ الكُتبِ الغريبة البليغة وحُسن مواقعها كتابٌ كتب لي أماناً من الدَّهر ، وهنأني في أيام العُمْر ، كتاب يسحر العقول ، ويملك القلوب ، ويشرح الصدور ، ويثقل الظهور ، كتابٌ الظفرُ به نعيمٌ ، والنَّظَر فيه فتح عظيم ، كتابٌ أهدى الهدوء إلى قلبي ، والمسرَّةَ إلى نفسي ، كتابٌ ارتحتُ لعيانهِ ، واهتززتُ لعُنوانِهِ ، كتابٌ من الكتب الميامين التي تأتي من قِبَل اليمين ، كتابٌ هو أنفسُ طالعٍ ، وأكرم مُتطلِّع ، وأحسنُ واقع ، وأجلُّ مُتوقع ، كتاب أبليتهُ طياً ونشراً ، وقبلتهُ ألفاً وَيَدَ حامله عشراً ، كتابٌ كتب لي أماناً من الزمانِ ، ووقَعَ مَوْقع الماء من العَطشانِ ، كتابٌ هو سَمَرٌ بلا سَهَرٍ ، وصَفوٌ بلا كَدَرٍ ، وَصَل كتابك فتمتعتُ منه بالعيشِ الأبيضِ ، واستلمتُهُ استلامَ الحَجَر الأسودِ ، وَصَل كتابك فتناولتهُ كما يُتناول الكتابُ المرقوم ، وفضضتُهُ كما يُفض الرّحِيقُ المختوم ، وصلَ كتابك فتمتعتُ منه بالعيش منه بالسرور ، وحصلتُ منه على اللذةِ والحُبورِ ، وصل كتابك بريدَ المُخ ، وبشيرَ النعم ، وتحفةَ السَّمع ، ومتعةَ البصر ، فوردتُ منه مُطرباً بلا كَدَرٍ ، وسمعت سَمَراً بلا سَهَرٍ . ألفاظ العيادَةِ مرِضَ فلحقتْني رَوْعَةٌ ، وملكتْني لَوْعَةٌ ، وَجَدتُ في نفسي ألماً مِمّا مَسَّهُ ، وتَخَوِّنَ أُنسَهُ ، بلغني من شِكايَته ما أوحش جنابَ الأنس ، وأراني الظلمة في مَطلع الشمس ،