الثعالبي
44
لباب الآداب
الحياء ، ويمري من العين الماء . سوءُ أثرِ الفراق والاشتياق حالي بَعْدَكَ حالُ غُصنٍ ذوى بعد ارتوائه ، ونجمٍ هوى عند اعتلائهِ ، ما حالُ ذاوي نَبْتٍ أمسك مَطَرُهُ ، وساري ليلٍ غاب قمرُه ، قد تركني فراقُك ، قتيل اشتياقِك ، وغادرني بَعدَك أقاسي بُعدكَ قد تحملتُ مع يسير الفرقةِ عظيم الحرقَةِ ، ومَعَ قليل البعد ، كثرة الوجدِ ، فارقتني ففرقت جميعَ صبري ، واسْتصحَبْتَ فريقاً من قلبي ما فارقتك بعيداً ، حتى استصحَبْتَ من نفسي فريقاً ، ولا سرت مِيلاً حتى سرت بقلبي جميعاً ، فارقتَني ففرقتَ بين جنبي والمهادِ ، وجمعتَ بين عيني والسُّهادِ ، لولا حصانةُ الأجلِ ، لخرجت روحي على عَجَل . ذِكْرُ الوَداع ودّعَتني فأودعتني شوقاً يجور حكمُه ، وقلقاً ينفذُ سَهْمُهُ ، قد وَدَعت بوادعِكَ العافية ، والعيشة الراضية ، ودعتُ بوداعِك الدّعة ، وفارقت بفراقِكَ الرَّوْحَ والسّعَة ، وَدعتُ يوم وداعِكَ دُنيايَ التي كنتُ أستمتع بها ، وحياتي التي كنت أنتفع بعوائد النِّعَم فيها . ذِكْرُ أيامِ اللقاء ووصفها يا أسفا على عقلاتِ العَيش إذ ظهائرنا أسحار ، وليالينا أنهار ، وشهورنا أيام ، وسنوننا قصار ، والدَّهر غافل وَباع الفراق قاصرٌ ، ورَبع التلاقي عامرٌ ، ورَوْض الأنس ناضرٌ ، حين الزمان غلامٌ ، والحلم حرامٌ ، كانت تلك الأيام من غُرر العُمْر ، وغُرر الدهر ، تذكرتُ أيامنا فتذكرتُ سحراً ونسيماً ، وعَيشاً سليماً ، ورَوْحاً وريحاناً وَنعيماً ، وخيراً عميماً ، وابتهاجاَ مقيماً ، أيامٌ حَسُنَتْ فكأنها أعراسٌ ، وَقَصُرت فكأنها أنفاسٌ .