الثعالبي

31

لباب الآداب

التعدَي وثقلَ الوطآة أنحى عليهِ إنحاءَ النوائب ، وَعَنَفَ بهِ عَنَف الحوادث ، غمزَ قناتَهُ ، وصَدَع صفاتِه ، أحل النقمةَ بساحَته ، وأجرى الجيشَ باستباحتهِ ، كان عزيزاً فأذله ، ومَصوناً فأذاله ، وفي عِداد من يُرمَق ويُغبَط فأحال عن ذلك حاله ، وثَبَ عليه وَثْبَة السّرْحان في ثَلَةِ الضأنِ ، وَثَب عليه وَثْبةَ أسَدية ، وأنحى عليه إنحاءةً أمَدية . الهَرَجُ والفِتنة رَفَعت الفتنَةُ أحيادها ، وجمعت للشر أجنادها ، وأعلَت قواعدها ، وأطالت سواعِدها ، نيرانُ الفتنةِ تشتعلُ اشتعالاً وراياتُ الهرج تخفق يميناً وشمالاَ ، أضحت تلك البلاد وهي نارٌ تتلظى ، وناس يأكلُ بعضُهم بعضاً ، في كل دارٍ صرخَة ، وفي كل دَرب نعرة ، وفي كل زاوية ظالم لا يُنصِف ، ومظلوم لا يُنصف ، فالنهارُ ليلٌ بالدُخانِ ، والليلُ نهار بالنيران ، ولم يبقَ من رسومِ الإسلام ، غير شهادَةِ الإيمانِ وإقامة الأذانِ ، فالمهلكة شاغرة ، وأفواه الفتن فاغرة ، كشفتِ الفِتنةُ قِناعَها ، وخلعت عِذارَها ، فتحولتِ الرؤوسُ أذناباً ، والغنمُ ذياباً ، نواح معالمُ الدينِ فيها مُضاعة ، ودواعي الشيطان بها مُطاعة . الإبراقُ والإرعاد الأهبَة لاستئصاله مأخوذة ، والسُيوفُ لقتاله مشحوذة ، سيبلغ في عقابهِ ، ما يتأدبُ بهِ كُل جامعٍ في جَنابهِ ، وناظر إلى إمكانهِ ، وطامحٍ إلى ما ليس من شأنه ، سيُراق على الظلال دمهُ ، وتتطايرُ على الجِذع رِمَمُهُ ، أتدرون وَيحَكُم في أيٌ حَتفٍ تورطتُم ، وأي شرِّ تأبطْتُم ، أما علمتم أن العزيمة من مَولانا تترك أمثالكم مثلاً وتجعلكم لأهلِ الشقاقِ والعِنادِ مثلاً سيعلم المخذولُ كيف يُرمى بحَجرهِ ، ويُخنَق بوترِه ، وتشبع الوحوش منه ومن نَفَره .