الثعالبي

30

لباب الآداب

شربَ كأسَ الجَهالةِ ، واستوطأ مركب الضلالةِ ، ران على قلبهِ الغي ، وملك قيادة البغي ، عادَ زَنْدُ شرّه قادِحاً ، وفتى صَرّه قارحاً ، راغ عن المذهب القويم ، وزاغ عن السِّراط المستقيم . التعرضُ للهلاك واستجلابُ سوء العاقبة ذكرتُ حَديثَ الباحِثِ عن مُدْيَتهِ ، الآكلِ لديته ، المتبرم بعمره ، المنتهي إلى آخر أمرِه ، قد تعرض لاجتلاب البليةِ ، وتحككَ باجتناب المنيةِ ، ما هو إلاّ الفراسة دَنَت من التيار ، والفَراش حامَتْ حولَ النارِ ، والنملة قربَ اجتياحُها ، فنبت جَناحُها ، فعل فعلَ الباحثِ عن مُديته المتعجل إلى انقطاع مُدته ، قد طار في رأسِه ، ما أظنه يُطيره عن جسده ، ويقطعه بجهلهِ في يَوْمه وَغدِهِ ، أعَماهُ غَليان دمِهِ عن موقع قدمه ، وأعْشاه اشتياق الحَتفِ إلى قَبضِهِ عن شمس أرضِهِ ، أولئكَ الأغمارُ الذين تناهَت بهم الأعمارُ . الظلم والظلَمة وسوءُ آثارِهم ظُلمٌ صريحٌ ، وجَورٌ فَسيحٌ ، واعتداءٌ قبيح ، فلان قد ملكته الهزةُ للظلم ، وأخذته الغِرةُ بالإثم ، وإذا رأيت ثم رأيت أملاكاً مغصوبةَ منهوبةً ، ورَعايا مأكولَةً مشروبةً ، رَعية فلانٍ مدفوعونَ إلى فقدِ الرياشِ ، وضِيق المعاشِ قد أداهُم الغلا إلى البلا ، والبلا إلى الجَلا ، والإضاقَة إلى الفاقةِ ، وصارَتِ الخَصاصةُ فوضى بين العامة والخاصة ، أمراؤهم عَجَزة قَعَدة ، وكُتابهم خَوَنة مَرَقَة ، فالأستار بينهم مهتوكَة ، والدماء مَسفوكَة ، والأموالُ مُجتاحة ، والديارُ مُستباحة ، فلان وُلدَ على أرضِ العِصيان ، ونشأ في حِجر الطغيان ، وغُذِيَ بلبانِ العدوان ، جعلوا يغيرونَ ويبيرون ، ويثيرون من الفتن ما ينثرون ، لا عن الدماء كَفُوا ، ولا عن الفروج عَفُّوا .