الثعالبي

27

لباب الآداب

ذكرُ الخليفة قد خَصَه الله بشرفِ الولادة ، وجازَ له إرثَ النبوة ، وبؤَأهُ محل الخلافة ، واسترعاهُ أمر الأمةِ ، لا ديناً آلا به ومعه ، ولا ديناً إلاّ لمن تولاّه واتبعه ، كافل الأمة وراعيها ، وسائس الملَة وَحاميها ، سليل النبوّة ، وعقيد الخِلافة وسيد الأنامِ ، والمستنزل بوَجههِ دَرّ الغَمام ، إن اللَهَ شفع النبوةَ بالخلافة ، إكمالاً للرحمة والرأفة ، وقَرَن الرسالةَ بالإمامة ، نظراً للخاصة والعامة . ذِكْرُ السُّلطان السلطانُ ظِل اللهِ في أرضه ، المؤتمنُ على حقه ، واليدُ المبسوطةُ في خلقه ، السلطان يرحم ما وسعت الناس النعمة ، ويعاقب إذا أصلحتهم النقمةُ ، عالماً أن الله قَرَنَ وعدَه بوعيده ، وثوابَه بعقابه ، السلطان زِمام على المِلَة ، ونظامٌ للجملة ، وجلاء للغُمة ، وعماد للذين ، وقارعة على المفسدين . تَهيبَ السلطان فرض أكيد ، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد ، من عَصى السلطان فقد أطاع الشيطانَ ، السلطان يدافع عن سَوادِ الأمة ، وبياض الدعوة . من شايع السلطان حَمَدَ يومَه وغدَه ، ورجا من العيش أرغده ، ومن نابذه كان في الأشقين مكتوباً ، وللفم واليدين مكبوباً . محاسنُ أوصافِ الملوك وممادِحُهم قد أحيا سِيَرَ العدل ، وأماتَ سِيَر الجَور ، فحِمى الدين منيعٌ ، وجنابُ الملك مَريع ، قد أنام الأنام في ظل عدلِهِ ، ووسعهم بإحسانه وفضله ، في يده خاتم عَدْل ، وفي حكمه صارم فضلٍ ، نفوس الرعية في ظلال السكونِ وادعَة ، وفي رِياضِ الأمن راتعَة ، دَولتُه على العَذلِ مُؤَسسة ، ومن الجورِ مُقدسَة ، قد صرَّف الناسَ بين خشونة إيعادهِ ، ولينِ مَعادِهِ ، وأراهم بَريقَ حُسامِهِ ، مشفوعاً ببوارقِ إنعامهِ . مولانا مستقل في ذُروة عِزه ، مستقِل بأعباء مُلكه ، يَتصرفُ في السياسة بين رِفق من غير ضَعف ، وخشونة من غير عُنفِ ، هو العَدل متبسماً ، والجُود متحسماً ، والبحر متكلماً ، والليث متكرماً .