الثعالبي

20

لباب الآداب

ريحها ، ونفق سوقها ، بصدر من أفراد الدهر أديب ، ذي صدر رحيب ، وعزيمة راتبة ، ودراية صائبة ، ونفس سامية ، وهمة عالية ، يحب الأدب ويتعصب للعربية ، فيجمع شملها ، ويكرم أهلها ، ويحرك الخواطر الساكنة لإعادة رونقها ، ويستثير المحاسن الكامنة في صدور المتحلين بها ، ويستدعى التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسومها وطرائقها ولطائفها ، مثل المأمون أمير المؤمنين في الملوك الماضين ، مولانا الملك المؤيد ، العالم العامل ، أبي العباس مأمون ( 1 ) بن مأمون خوارزم ، أدامالله تعالى سلطانه ، وحرص عزه ومكانه ، في الملوك العصريين وأين مثلها ، وأصلها أصلها ، وفضلها فضلها ، ومحلها محلها ، فإن ذاك رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل الجنة مأواه ، أعاد الأدب غضا ، وللزمان زمان ، وللعرب سلطان ، وأدام ملكه وأحياه ، وهو كالرمم والدهر . . . ( 2 ) أنعامه وكثرة أضيافه ، واتصال صلاته ، وامتزاج الأدب والكرم بطبعه ، ويراعة كتابته ، وإعجاز توفيقاته ، وميله إلى أهل الأدب ، وحرصه على مطالعة الكتب ، وتساوي أحواله وأفعاله في السيادة وشروط السياسة ، وتصريف أعنة المملكة ، وتقيب أهل المعرفة ، علم أنه فرد دهره ، ونكتة عصره ، وحجة الله في أرضه ، ومن حسن آثاره ، وثمار أيامه ، أدامها الله ما لا يزال يأمر به ، ويرتفع باسمه ، من التأليفات التي تنتظم بها عقود المحاسن ، ويجتمع شمل البدائع ، ويسير بها الركبان ، ولا تبلي جدتها الأزمان ، ومنها هذا الكتاب الذي خرج أمره العالي زاجه علوا بتأليفه في المدخل إلى غرر الأدب ودرره وفصوصه ونكته ، وقد ترجمته ب‍ ( لباب الأداب ) ، ليكون اسما ينبي عن مسماه ، ولفظا يطابق معناه ، وينيته بدولته العالية ثبتها الله على ثلاثة أقسام : القس الأول : في لطائف أسرار اللغة وجوامعها وطرائف العربية وخصائصها . القسم الثاني : في لطائف الألفاظ والمخاطبات والمكاتبات وبدائعها ومحاسنها وقلائدها . القسم الثالث : في عيون الأشعار وأحاسنها وفصوصها ورائدها . وبوبت كلا من الأقسام على ما ينطق به وله ، ويعرب عن مفتتحه . وهذا ذكر ثبت الأبواب ( 3 ) .

--> ( 1 ) كان ملكا على خوارزم والجرجانية . قتل في نزاعه مع يمين الدولة سنة 407 ه‍ ، وكان قد تولى السلطة سنة 387 ه‍ ، بعد أخيه علي بن مأمون بن محمد . ( 2 ) فراغ في الأصل بقية الصفحة 3 ، والصفحة 4 كلها بيضاء . ( 3 ) يذكر المؤلف ثبتا لأبواب القسم الأول ، الذي تجاوزناه إلى القسم الثاني . والقسم الأول هو كتاب " فقه اللغة وأسرار العربية " المطبوع للمؤلف .