محمد دياب الإتليدي

88

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

فقال : والله ما بكيت لمصيبة نزلت بي وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمعه . ثم قال : إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب . نادوا في الناس لا يلبس أ ؛ د ثوباً أحمر إلا مظلوم . وكان يركب الفيل طرفي النهار ويدور في البلد لعله يجد أحداً لابساً ثوباً أحمر فيعلم أنه مظلوم فينصفه . وهذا الأمير رجل مشرك غلبت عليه رأفته على شح نفسه بالمشركين ، وأنت مؤمن بالله ورسوله وابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يا أمير المؤمنين ! لا تجعل الأموال إلا لإحدى ثلاثٍ : فإن قلت إنما أجمع الأموال لصالح الملك فقد أراك الله عبرةً في الملوك والقرون من قبلك ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع ، حين أراد الله بهم ما أراد ، وإن قلت إنما أجمع للولد ، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد فيلم يغن ذلك عنهم شيئاً بل ربما مات فقيراً ذليلاً حقيراً ؛ وإن قلت إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فوالله ما فوق منزلتك إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح . فبكى المنصور بكاء شديداً ثم قال : وكيف أعمل وقد فرت مني العباد ولم تقربني ، افتح الباب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم وخذ المال مما حل وطاب ، واقسمه بالحق والعدل ، وأنا ضامن من هرب أن يعود إليك . فقال المنصور : نفعل إن شاء الله تعالى . وجاء المؤذن فأذن للصلاة فقام وصلى فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده ، فقال لصاحب الشرطة : علي بالرجل الساعة . فخرج يتطلبه فوجده عند الركن اليماني فقال له : أجب أمير المؤمنين . فقال : ليس إلى ذلك من سبيل . فقال : إذن يضرب عنفي . فقال : ولا إلى ضرب رقبتك من سبيل . ثم أخرج من مزود كان معه رقاً مكتوباً فقال له : خذه فإن فيه دعاء الفرج من دعا به صباحاً ومات من يومه مات شهيداً ، ومن دعا به مساء ومات من ليلته مات شهيداً . وذكر له فضلاً عظيماً وثواباً جزيلاً . فأخذه صاحب الشرطة وأتى به المنصور فلما رآه قال له : ويلك أو تحسن السحر ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين . ثم قص عليه القصة ، فأمر المنصور بنقله وأمر له بألف دينار ، وهو هذا . اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء ، وعلمك بما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك . وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك ،