محمد دياب الإتليدي
61
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
سليمان والدلفاء وقال أبو سويد : حدثني أبو زيد الأسدي قال : دخلت على سليمان بن عبد الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر فيوسط بستان ملتف قد أثمر وأينع ، على رأسه وصائف كل واحدة منهم أحسن من صاحبتها ، وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت فقلت : السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته . وكان مطرقاً فرفع رأسه وقال : يا أبا زيد ! في مثل هذا الحين تصالحنا . فقلت : أصلح الله الأمير أو قامت القيامة ؟ قال : نعم على أهل المحبة . ثم أطرق ملياً ورفع رأسه وقال : يا أبا زيد : ما يطيب في يومنا هذا ؟ قلت : أعز الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء ملفوفة لفاء أشربها من كفها وأمسح فمي بخدها . فأطرق سليمان ملياً لا يرد جواباً تتحدر من عينيه عبرات بلا شهيق فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه ، ثم رفع رأسه فقال : يا أبا زيد حضرت في يوم انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك ؟ قلت : نعم أيها الأمير ، كنت جالساً على باب أخيك سعد بن عبد الملك ، فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلتت من شبكة صياد عليها قميص سكب إسكندراني يبين منها بياض ثدييها وتدوير سرتها ونقش تكتها ، وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان حقويها ، ولها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على محاجر عينيها ، وعينان مملؤتان سحراً ، وأنف كأنه قصبة بلور ، وفم كأنه جرح يقطر دماً ، وهي تقول : عباد الله من لي بدواء من لا يسلو وعلاج من لا يسمو ؟ طال الحجاب ، وأبطأ الجواب ، فالقلب طائر ، والعقل عازب ، والنفس والهة ، والفؤاد مختلس ، والنوم محتبس ، رحمة الله على قوم عاشوا تجلداً وماتوا كمداً ، ولو كان إلى الصبر حيلة ، وإلى العزاء سبيل ، لكان أمراً جميلاً . ثم أطرقت ملياً ورفعت رأسها فقلت : أيتها الجارية إنسية أم جنية سماوية أم أرضية ؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك وأذهلني حسن منطقك . فسترت وجهها بكفها كأنها لم ترني ثم قالت : اعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد بلا مساعد والمقاساة لصب معاند .