محمد دياب الإتليدي

55

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

فقالت : اعلم يا ابن طاهر ، إنا والله كنا فما حمدنا ، ثم بنا فما ندمنا وهذه المائتا ألف هي لك ببشارتك بخلاصي من كلب ثقيف . ؟ ثم بعد ذلك بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها ، ووصف له جمالها ، فأرسل إليها يخطبها لنفسه ، فأرسلت إليه كتاباً تقول فيه بعد الثناء عليه : اعلم يا أمير المؤمنين ، أن الكلب ولغ في الإناء . فلما قرأ عبد الملك بن مروان الكتاب ضحك من قولها ، وكتب إليها يقول : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً ، إحداهن بالتراب ، فغسل الإناء يحل الاستعمال . فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين ، لم يمكنها المخالفة فكتبت إليه تقول : بعد الثناء عليه ، اعلم يا أمير المؤمنين أني لا أجري العقد إلا بشرط ، فإن قلت : ما الشرط ؟ أقول : أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدتك التي أنت فيها ويكون ماشياً حافياً بحليته التي كان فيها أولاً . فلما قرأ ذلك الكتاب عبد الملك ضحك ضحكاً شديداً ، وأرسل إلى الحجاج يأمره بذلك . فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب ولم يخالف وامتثل الأمر . وأرسل الحجاج إلى هند يأمرها بالتجهز فتجهزت وسار الحجاج في موكبه حتى وصل إلى المعرة بلد هند . فركبت في محمل وركب حولها جواريها وخدمها فترجل الحجاج ، وهو حاف ، وأخذ بزمام البعير يقوده ويسير بها ، فأخذت تهزأ منه وتضحك مع الهيفاء دابتها ، ثم إنها قالت لدايتها : يا دايتي اكشفي لي ستارة المحمل لنشم رائحة النسيم ! فكشفته فوقع وجهها في وجهه فضحكت عليه ، فأنشد يقول : فإن تضحكي يا هند يا رب ليلة . . . تركتك فيها كالقباء المفرج فأجابته تقول : وما نبالي إذا أرواحنا سلمت . . . بما فقدناه من مال ومن نشب فالمال مكتسب والعز مرتجع . . . إذا النفوس وقاها الله من عطب ولم تزل تلعب وتضحك إلى أن قربت من بلد الخليفة فلما قربت من البلد رمت من يدها ديناراً على الأرض وقالت : يا جمال ! إنه سقط منا درهم فادفعه إلينا . فنظر الحجاج إلى الأرض فلم ير إلا ديناراً فقال : إنما هو دينار . فقالت : بل درهم . قال : بل دينار . فقالت : الحمد لله سقط منا درهم فعوضنا الله ديناراً . فخجل الحجاج وسكت ولم يرد جواباً ثم دخل بها على عبد الملك بن مروان فتزوج بها وكان من أمرها ما كان .