محمد دياب الإتليدي

35

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

قال : فما يقول هذا الطائر وما يقول الطائر الآخر ؟ فقال الموبذان : هذا بوم ذكر يخطب بومة ويقول لها : متعيني بنفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله ويبقى لنا في هذا العالم عقب يكثرون الترحم علينا . فأجابت : أن الذي تدعونني إليه لي فيه الحظ الأكبر والنصيب الأوفر في العاجل والآجل إلا أني أشترط عليك خصالاً إن أعطيتها أجبتك إلى ذلك . فقال لها الذكر : وما تطلبينه مني ؟ قالت : أن تعطيني من خرابات أمهات الضياع عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك السعيد . فقال له الملك فما الذي قال لها الذكر ؟ قال الموبذان : كان من قوله لها إن دامت أيام هذا الملك السعيد قطعك منها ألف قرية خراب ، فما تصنعين بها ؟ قالت : في اجتماعنا يحصل ظهور النسل وكثرة الذكر ، فنقطع لكل ولد من أولادنا ضيعة من هذه الخرابات . فقال لها الذكر : هذا أسهل أمر سألتنيه ، وأنا مليء بذلك ما حيى هذا الملك . فلما سمع الكلام من الموبذان تأثر في نفسه واستيقظ من نومه وفكر فيما خوطب به فنزل من ساعته ونزل بنزوله الناس وخلا بالموبذان ، فقال : أيها القائم بأمر الدين الناصح للملك والمنبه له عما أغفله من أمور ملكه وإضاعة بلاده ورعيته ، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به فقد حركت مني ما كان ساكناً . فقال الموبذان : صادفت من الملك السعيد وقت سعد العباد والبلاد فجعلت الكلام مثلاً وموعظة على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي عما سأل . فقال له الملك : أيها الناصح ، اكشف لي عن هذا الغرض ، ما المراد منه ؟ فقال : أيها الملك ، إن الأمر لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ، ولا قوام للرجال إلا بالمال ، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل ، وهو الميزان المنصوب بين الخليقة ، نصبه الرب ، جل وعلا وجعل له قيماً وهو الملك . فقال الملك : أما ما وصفت فحق فأين لي عما إليه تقصد وأوضح لي في البيان . قال : نعم أيها الملك ، إنك عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع ، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك ، ووقع الحيف على الرعية وعمار الضياع ،